ولم يصرح هشام بالسماع في جميع الروايات عنه، بل رواه معنعنًا. وقد رواه هكذا: (سئل أنس بن مالك عن خضاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن شاب إلا يسيرًا، ولكن أبا بكر وعمر بعده خضبا بالحناء والكتم.

قال: وجاء أبو بكر بأبيه أبي قحافة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح بمكة، يحمله حتى وضعه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «غيروهما، وجنبوه السواد».

والجزء الأول من الحديث ثابت عن أنس في الصحيحين من طرق كثيرة، منها: حديث ثابت أن أنسًا سئل: خضب النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: "لم يبلغ شيب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان يخضب. . . ولكن أبا بكر كان يخضب بالحناء، وكان عمر يخضب بالحناء) ([78]).

كما رواه عاصم الأحول وأيوب السختياني كلاهما عن محمد بن سيرين ([79])، بنحو حديث ثابت عن أنس. وكذلك رواه عبدالله بن إدريس وروح بن عبادة، كلاهما عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين، ولفظه: (سئل أنس بن مالك: هل خضب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: إنه لم يكن رأى من الشيب إلا - كأنه يقلّله - وقد خضب أبو بكر وعمر بالحناء والكتم) ([80]). فلم يذكر أحد ممن رواه عن هشام بن حسان، ولا ممن رواه عن ابن سيرين، ولا ممن رواه عن أنس، الزيادة التي جاءت في آخره وهي: (قال: وجاء أبو بكر بأبيه. . . إلخ) مما يثير الشك في صحتها، والظاهر أن هشام بن حسان روى الجزء الأول عن ابن سيرين عن أنس، ثم ذكر الزيادة في آخره وفصلها عن أول الحديث؛ ولهذا قال الراوي عنه - وهو محمد بن سلمة الحراني - في آخره: (قال: وجاء أبو بكر بأبيه. . . إلخ). وهذا يشعر بأن هذه الزيادة ليست متصلة بالحديث، ويبدو أن هشام بن حسان أو الراوي عنه قد دلسها، والمقصود بقول الراوي: (قال: وجاء. . . إلخ) هو هشام بن حسان.

ومما يؤكد أن هذه الزيادة ليست عند محمد بن سيرين: ما رواه ابن أبي شيبة عن إسماعيل بن علية عن ابن عون قال: (كانوا يسألون محمدًا عن الخضاب بالسواد، فقال: لا أعلم به بأسًا) ([81]). وهذا إسناد مسلسل بالأئمة الحفاظ الأثبات. فكيف يقول محمد بن سيرين بأنه لا يعلم بالخضاب بالسواد بأسًا، وهو يروي عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في شأن شيب رأس أبي قحافة ولحيته: «غيروهما وجنبوه السواد»؟!

وقد قال ابن رجب في شرح العلل: (قاعدة: في تضعيف حديث الراوي إذا روى ما يخالف رأيه) ([82])، وقد ذكر عن أحمد وأكثر الحفاظ أنهم كانوا يعلون الأحاديث بمثل هذا.

وعلى هذا، فهشام بن حسان معروف بالتدليس، ولم يصرح بالسماع في هذه الرواية التي فيها هذه الزيادة، وهذا وحده كاف في تضعيفها، فكيف وقد ثبت عن محمد بن سيرين ما يعارضها؟! كما لم يتابع أحد محمد بن سلمة الحراني على روايتها، لا عن هشام بن حسان، ولا عن محمد بن سيرين، ولا عن أنس بن مالك ([83])، وهذا كاف للحكم على هذه الزيادة في حديث محمد بن سيرين بأنها منكرة.

نعم، رواه سعد بن إسحاق عن أنس مرفوعًا: «غيروا الشيب، ولا تقربوا السواد» ([84]). وقد تفرد بروايته ابن لهيعة عن خالد بن أبي عمران عن سعد، به. وفيه ثلاث علل:

أ) ضعف عبدالله بن لَهِيعة ([85]).

ب) وعنعنته وهو مشهور بالتدليس ([86])، وقد ذكره ابن حجر في المرتبة الخامسة، وهي أضعف المراتب، وهم من جمعوا مع ضعفهم التدليس، فلا يقبل ما صرحوا فيه بالسماع حتى يتابعوا إن كان ضعفهم خفيفًا ([87]).

ج) وتفرده بهذا الإسناد وهذا اللفظ، وهو من مناكيره فلا يصلح متابعًا لمنكر مثله، ولا يتقوى أحدهما بالآخر.

3 - الشاهد الثالث: ما رواه عبدالرحمن بن محمد المحاربي، عن محمد بن إسحاق من حديث أسماء بنت أبي بكر، وفيه: «وجنبوه السواد» ([88]). وقد رواه الحفاظ عن محمد بن إسحاق، عن يحيى بن عباد بن عبدالله بن الزبير، عن أبيه، عن جدته أسماء بنت أبي بكر الصديق في قصة إسلام أبي قحافة عام الفتح، وقول النبي صلى الله عليه وسلم لهم: «غيروا هذا من شعره» ([89])، أي الشيب، وليس فيه: «وجنبوه السواد».

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015