فإذا كان الأمر كذلك فالراجح عن أبي الزبير هو ما رواه عنه أبو خيثمة زهيربن معاوية وعزرة بن ثابت، وكلاهما ثقة ثبت، وقد صرح زهير بالسماع من أبي الزبير وقد سأله عن الزيادة: «وجنبوه السواد» فأنكرها ونفاها؛ فثبت بذلك أن رواية ابن جريج في صحيح مسلم مدلسة، وقد تكون بلغته عن ليث بن أبي سليم وهو ضعيف، فدلسها ابن جريج عن أبي الزبير، أو يكون أبو الزبير إنما يرويها عن جابر بالعنعنة تدليسًا، فلما أوقفه زهير وسأله عن سماعه لهذه اللفظة نفاها، ولعله لهذا السبب قدم مسلم رواية زهير، ثم أورد رواية ابن جريج بعدها في المتابعات.
وعلى كل، فالصحيح عن أبي الزبير ما رواه زهير وعزرة، وهي الرواية الموافقة لحديث أبي هريرة في الصحيحين بلفظ الإطلاق، وأما الزيادة: «وجنبوه السواد» فلا تثبت عن أبي الزبير عن جابر، وقد نص أبو الزبير نفسه أنها ليست من حديثه، وهذا وحده كاف في إثبات بطلانها وعدم صحتها، وإن كانت في صحيح مسلم.
ثم إنه على فرض صحتها عنه فقد تكلم الأئمة في أبي الزبير، واشترطوا لقبول حديثه تصريحه بالسماع لكونه معروفًا بالتدليس، ولم يصرح ههنا بالسماع في كل الروايات عنه ([66]).
وعليه، ففي حديث ابن جريج عن أبي الزبير في صحيح مسلم علل، هي:
1 - عنعنة ابن جريج عن أبي الزبير، وهو مدلس لا يقبل منه إلا ما صرح فيه بالسماع ([67]).
2 - تفرد ابن وهب المصري في رواية هذا الحديث عن ابن جريج؛ إذ كل من رواه من طريق ابن جريج إنما رواه عن ابن وهب عنه، وقد تكلم يحيى بن معين في روايته عن ابن جريج، وقال: (ليس بذاك في ابن جريج، وكان يستصغره) ([68]).
3 - عنعنة أبي الزبير عن جابر، ولم يصرح بالسماع وهو مدلس.
4 - الاختلاف على أبي الزبير في لفظ هذا الحديث.
5 - نفي أبي الزبير نفسه زيادة لفظ: «وجنبوه السواد»، وهي أقوى هذه العلل، وهي التي كشفت تدليس ابن جريج لهذا الحديث عن أبي الزبير، وأنه لم يسمعه منه، أو سمعه منه دون هذه الزيادة ودلسها عنه؛ ولهذا أوردها مسلم في المتابعات، وتجنب أحمد روايتها من حديث ابن جريج، وأخرج رواية زهير التي فيها تصريح أبي الزبير بنفي هذه الزيادة.
· دراسة شواهد حديث جابر: «وجنبوه السواد»:
1 - حديث عبدالعزيز بن أبي رواد، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة مرفوعًا:
«غيروا الشيب، ولا تشبهوا باليهود، واجتنبوا السواد» ([69]).
وهو من مناكير ابن أبي رواد، وقد أورده ابن عدي في "الكامل" على أنه منها ([70]). وعبدالعزيز متكلم فيه؛ قال عنه علي بن الجنيد: "كان ضعيفًا وأحاديثه منكرات" ([71]). وقال ابن حبان: "يحدث على الوهم والحسبان، فسقط الاحتجاج به" ([72]).
وقد انفرد ابن أبي رواد بهذه الزيادة: «واجتنبوا السواد»؛ إذ لم يتابعه على روايتها أحد ممن روى هذا الحديث عن أبي هريرة، كما لم أجد من تابعه على روايته هذا الحديث عن محمد بن زياد، فثبت صحة صنيع ابن عدي حين أورد هذا الحديث من مناكيره فمثله لا يكون شاهدًا؛ إذ المنكر أبدًا منكر.
وقد روى الطبراني من طريق أبي غسان النميري، عن أبي سفيان المديني، عن داود بن فراهيج، عن أبي هريرة قصة أبي قحافة، وقول النبي صلى الله عليه وسلم عن شيبه: «غيروه، وجنبوا السواد» ([73])، وقال: "لم يروه عن داود إلا أبو سفيان".
وداود ضعفه شعبة بن الحجاج، ويحيى بن معين في إحدى الروايتين عنه. وقال تارة: ليس به بأس، وقال أبو حاتم: صدوق ([74]).
فاجتمع في هذا الحديث:
1 - جهالة في أبي غسان النميري، الراوي عن أبي سفيان.
2 - وتفرده بهذا الإسناد.
3 - وضعف في داود بن فراهيج.
4 - وعدم متابعة أحد من أصحاب أبي هريرة مع كثرتهم له في روايته هذا الحديث من قصة أبي قحافة؛ فالحديث منكر.
2 - حديث هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال - لما جيء بأبي قحافة إليه عام الفتح -: «غيروهما - أي رأسه ولحيته - وجنبوه السواد» ([75]).
وهشام بن حسان مدلس، وقد جعله ابن حجر في المرتبة الثالثة في المدلسين ([76])، وهم من أكثروا من التدليس، فلم يحتج الأئمة إلا بما صرحوا فيه بالسماع ([77]).
¥