فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد أمر الصحابة بصبغ الشيب ومخالفة أهل الكتاب الذين لا يصبغون، فإنه صلى الله عليه وسلم لم يبين لهم ما الصبغ الجائز من الصبغ الممنوع، ومعلوم أن تأخير البيان عن وقت الحاجة غير جائز، فقد أمر صلى الله عليه وسلم بالصبغ وتغيير الشيب مطلقًا، وهذا بإطلاقه يشمل جميع أنواع الصبغ بما فيها الوسمة وهي السواد. ولا يقال بأن هذا التعارض بين حديث ابن عباس هذا وحديث أبي هريرة يزول بحديث جابر مرفوعًا: «غيروا، وجنبوه السواد»، بدعوى أن هذا يقيد حديث أبي هريرة ويوافق حديث ابن عباس؛ إذ هذا الحديث إنما قاله صلى الله عليه وسلم عام الفتح في حق أبي قحافة عندما جيء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم كأن رأسه ثغامة (*) بيضاء.

· فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «غيروا هذا بشيء، واجتنبوا السواد» ([50])، وفي رواية: «غيروا هذا بشيء» ([51])، وفي رواية: «غيروا، أو اخضبوا» ([52])، وفي رواية: «غيروه، وجنبوه السواد» ([53]).

فلا يقوى مثل هذا الحديث - الذي هو حادثة عين - على تخصيص عموم حديث أبي هريرة لو صح، فكيف وقد اضطرب راويه - وهو أبو الزبير المكي - في روايته؛ فتارة يقول: «غيروا هذا بشيء» مطلقًا، وتارة يقول: «غيروه وجنبوه السواد»، وقد رواه عنه بالإطلاق دون لفظ: «وجنبوه السواد»:

1 - زهير بن معاوية أبو خيثمة؛ كما عند مسلم وأحمد. وقد صرح زهير بالسماع من أبي الزبير عند أحمد، وفي روايته: (قال زهير: قلت لأبي الزبير: أقال جنبوه السواد؟ قال: لا)، وكذا رواه علي بن الجعد في مسنده، وأبو داود الطيالسي ([54]).

2 - عزرة بن ثابت كما عند النسائي بإسناد صحيح، عن أبي الزبير، عن جابر، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في شأن أبي قحافة: «غيروا أو اخضبوا».

وكذا رواه الحاكم من طريق عزرة بلفظ: «اخضبوا لحيته» ([55]).

وقد رواه عن أبي الزبير بزيادة: «وجنبوه السواد» كل من:

1 - ابن جريج: كما عند مسلم إلا أنه لم يصرح فيه بالسماع، ولم أقف على تصريح بالسماع له من أبي الزبير في جميع المصادر التي روته من طريق ابن جريج، بل رواه عنه معنعنًا وهو مشهور بالتدليس، وقد أورد مسلم روايته في المتابعات بعد رواية زهير بن معاوية ([56]).

2 - ليث بن أبي سليم: كما عند أحمد، وابن ماجه، ومعمر في الجامع، وابن أبي شيبة. إلا أن ليثًا شديد الضعف مع صلاحه وصدقه في نفسه ([57])، وقد أجمل فيه الحافظ ابن حجر القول فقال: "صدوق اختلط جدًا، ولم يتميز حديثه فترك" ([58]). وقد وهم الشيخ الألباني - رحمه الله تعالى - فظن ليثًا هذا هو ابن سعد، وهو لا يروي عن أبي الزبير إلا ما كان قد سمع من جابر، ولهذا صححه الشيخ الألباني ([59]). والصحيح أن الراوي هو ليث بن أبي سليم المتروك ([60]).

3 - الأجلح بن عبدالله عن أبي الزبير عن جابر: كما عند الموصلي والطبراني ([61])، وقال: (لم يروه عن الأجلح إلا شريك). وفيه علل:

أ) ضعف الأجلح ([62]).

ب) وضعف في شريك بن عبدالله ([63]).

ج) عنعنة شريك وهو مدلس ([64]).

4 - أيوب عن أبي الزبير عن جابر:

كذا رواه أبو عوانة ([65])، عن أحمد بن إبراهيم، عن عبدالرحمن بن المبارك، عن عبدالوارث بن سعيد، عن أيوب، عن أبي الزبير، به؛ كما رواه ابن جريج.

وهو غريب جدًا من هذا الطريق، فلم أقف عليه من حديث أيوب - مع إمامته وكثرة الرواة عنه - إلا عند أبي عوانة، ولم أجد من تابع أحمد بن إبراهيم على روايته عن عبدالرحمن بن المبارك، ولا من تابعه على روايته عن عبدالوارث بن سعيد، ولا عن أيوب؟!! وليس أحمد بن إبراهيم ممن يحتمل منه مثل هذا التفرد عن هؤلاء الأئمة.

وعلى كل، فليس فيه تصريح بالسماع بين أبي الزبير عن جابر، بل ثبت عنه أنه لم يسمع من جابر زيادة (وجنبوه السواد).

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015