وقد ثبت عن الحسن والحسين - رضي الله عنهما - أنهما كانا يصبغان بالسواد ([43]). وهذا يؤكد صحة ما جاء عن ابن الحنفية، من نسبته الخضاب بالسواد إلى أهل البيت. وكذا كان علي بن عبدالله بن عباس يخضب لحيته بالسواد ([44]).
فكيف يتواطأ أهل البيت على فعل ما فيه مثل هذا الوعيد الشديد، وراويه هو ابن عباس فقيه أهل البيت ثم لا ينهاهم ولا يخبرهم بهذا الوعيد وهو بين ظهرانيهم؟!
فاجتمع في حديث ابن عباس هذا ست علل إسنادية، هي:
أ) تفرد راويه في روايته عن إمام كبير وهو سعيد بن جبير، مع كثرة أصحابه الذين حفظوا حديثه ورووا عنه.
ب) وعدم وجود متابع له عن ابن عباس مع كثرة أصحابه الذين رووا عنه، ولا شاهد له عن أحد من الصحابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ج) وضعف في راوي الحديث عبدالكريم الجزري، خاصة فيما انفرد به من المناكير عن الرواة المشاهير، وهذا الحديث أحدها؛ إذ لا يُروى ولا يعرف هذا الحديث لا عن سعيد بن جبير، ولا عن ابن عباس، ولا عن أحد من الصحابة الآخرين عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا من طريق عبدالكريم، بل ولم يروه عن عبدالكريم إلا عبيد الله بن عمرو الرقي، فيما وقفت عليه من الروايات، وهذا أشد أنواع المنكر نكارة، حيث لا يعرف من حديث أحد من الصحابة إلا عن ابن عباس، ولا يعرف من حديث أحد من التابعين إلا عن سعيد بن جبير، ولا يعرف من حديث أحد من أتباع التابعين إلا عن عبدالكريم الجزري، ولا يرويه أحد من أتباعه إلا عبيدالله بن عمرو ([45])!! وهذا كله على فرض أن عبدالكريم هو الجزري كما يرى الحافظ ابن حجر، لا عبدالكريم البصري الضعيف كما يراه ابن الجوزي.
د) كما لم يُصرح فيه بالسماع في أي من طبقات الإسناد في جميع روايات هذا الحديث، مع وصم ابن المديني لعبدالكريم بالتدليس في روايته عن البراء بن زيد البصري مع عدم سماعه منه.
هـ) الاختلاف على راويه وقفًا ورفعًا، مع ما قيل فيه بأنه ربما وهم، مما يثير الشك في ضبطه لهذا الحديث.
و) تردد الاسم المهمل بين عبدالكريم الجزري الثقة، والبصري الضعيف، دون قيام دليل قاطع على أيهما الراوي لهذا الحديث، مما يورث الشك في صحته. هذا على فرض عدم وجود دليل خارجي يرجح أحدهما، فكيف وقد روى هشام الدستوائي ما يرجح أنه عن عبدالكريم بن أبي المخارق البصري؟!
ز) كما أنه يعارض ما جاء عن أهل البيت - وابن عباس فقيههم - من أن خضابهم السواد، وقد ثبت ذلك عن الحسن والحسين ومحمد بن الحنفية، ونسبه إلى أهل البيت.
وكذلك في الحديث علتان في المتن توجبان التوقف فيه:
الأولى: أنه يعارض ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين:
· قال: «إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم» ([46]). وفي رواية: «غيروا الشيب، ولا تشبهوا باليهود والنصارى» ([47]). فأمر بالتغيير مطلقًا ولم يستثن شيئًا من الأصباغ. وقد كان هذا الأمر بالخضاب وصبغ الشيب متأخرًا، كما قال الطحاوي: "في هذه الآثار إخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن اليهود والنصارى كانوا لا يخضبون، فعقلنا بذلك أنه صلى الله عليه وسلم كان في البدء على مثل ما كانوا عليه؛ لما قد ذكرناه عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان فيما لم يؤمر فيه بشيء يحب موافقة أهل الكتاب على ما هم عليه منه؛ فكان صلى الله عليه وسلم على ذلك حتى أحدث الله عز وجل له في شريعتهما يخالف ذلك من الخضاب؛ فأمر به، وبخلاف ما عليه اليهود والنصارى من تركه، وعقلنا بذلك أن جميع ما روي عنه صلى الله عليه وسلم في الأمر باستعمال الخضاب متأخر عن ذلك) ([48]).
ويؤكده أن راوي هذا الحديث هو أبو هريرة، وهو متأخر الإسلام؛ إذ هاجر إلى النبي صلى الله عليه وسلم عام خيبر، في السنة السابعة من الهجرة ([49]).
¥