وقد قال الحافظ ابن حجر: "وإسناده قوي، إلا أنه اختلف في رفعه ووقفه" ([29]). وهذه علة توهن الحديث عند بعض الأئمة قديمًا، فإن منهم من يعل المرفوع بالموقوف والمسند بالمرسل مطلقًا ([30]). وهذا الاختلاف هو من عبيدالله بن عمرو فيما يبدو.

وأما قول الحافظ ابن حجر: "وعلى تقدير ترجيح وقفه فمثله لا يقال بالرأي، فحكمه الرفع" ([31]) - فغير مسلم له فيه؛ إذ الحديث منكر من حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس، فلا يثبت مرفوعًا ولا موقوفًا ولا مقطوعًا.

وإنما يثبت عن مجاهد مقطوعًا عليه.

ثم على فرض صحة وقفه على ابن جبير أو ابن عباس، فلا يبعد أن يكون قد بلغه عن أهل الكتاب، فقد جاء عن الزهري قال: "مكتوب في التوراة: ملعون من غيرها بالسواد. يعني اللحية" ([32]). ومثله ما ثبت عن مجاهد قال: "يكون في آخر الزمان قوم يصبغون بالسواد لا ينظر الله إليهم"، أو قال: "لا خلاق لهم" ([33])، لا يقال بأن له حكم الرفع بدعوى أن مثله لا يقال بالرأي؛ إذ احتمال أخذه عن أهل الكتاب وارد كما جاء عن الزهري، وإلا لرفعه مجاهد إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإن لم يسنده إلى من سمعه منه، أما أن يرسله ولا يرفعه فلا يكون لمثله حكم الرفع؛ لشيوع الأخذ عن أهل الكتاب في ذلك العصر، ولا يبعد أن يكون عبدالكريم الجزري - وهو من تلاميذ مجاهد - قد سمعه من مجاهد ([34])، فوهم على سعيد بن جبير أو دلسه عنه.

4 - أن كل من روى هذا الحديث رواه بالعنعنة في كل طبقات الإسناد، لم يصرح فيه بالسماع، فقد رواه الناس عن عبيدالله بن عمرو، عن عبدالكريم، عن سعيد، عن ابن عباس معنعنًا، ولم أقف على رواية واحدة فيها تصريح بالسماع مع كثرة الرواة عن عبيدالله بن عمرو، مما يثير الشك في احتمال وقوع التدليس في الإسناد، وعبدالكريم الجزري ذكره ابن أبي حاتم في "المراسيل" وروى عن علي بن المديني قوله عنه: إنه لم يسمع من البراء ([35]).

والبراء هو ابن زيد البصري، ابن بنت أنس بن مالك، ولم يرو عنه سوى عبدالكريم الجزري ([36]).

وهذا وصم له بالتدليس من علي بن المديني؛ إذ إن الجزري أدرك أنس بن مالك ورآه ([37]). فالظاهر أنه عاصر وأدرك حفيده البراء بن زيد من باب أولي، فتكون روايته عنه حينئذ من باب التدليس، إذ لم يثبت له منه سماع كما نص على ذلك ابن المديني.

وقد قال المحقق المعلمي: "إذا استنكر الأئمة المحققون المتن، وكان ظاهر السند الصحة، فإنهم يتطلبون له علة؛ فإذا لم يجدوا علة قادحة مطلقًا، حيث وقعت، أعلوه بعلة ليست قادحة مطلقًا، ولكنهم يرونها كافية للقدح في ذلك المنكر، فمن ذلك إعلاله بأن راويه لم يصرح بالسماع، هذا مع أن الراوي غير مدلس) ([38]). ثم ذكر أمثلة من تصرف البخاري وابن المديني وأبي حاتم في الإعلال بعدم التصريح بالسماع، مع أن الراوي لم يعرف بالتدليس.

فكيف إذا كان الراوي قد وُصم بالتدليس كالجزري وإن لم يذكر في المدلسين؛ إذ لم يشتهر به ولم يكثر منه.

وعلى كل حال، فإن العنعنة في حديث منكر نحو هذا الحديث توهن من قوته، على فرض أنه ليس في رجاله مدلس؛ إذ عدها بعض أهل الحديث من قبيل المنقطع، وإن كان الجمهور على خلاف ([39]).

5 - أن أيوب السختياني سأل سعيد بن جبير عن صبغ اللحية بالوسمة، فقال: "يعمد أحدكم إلى نور جعله الله في وجهه فيطفئه".

رواه عبدالرزاق قال: أخبرنا معمر، عن أيوب، قال: سمعت سعيد بن جبير ([40]).

وهذا إسناد مسلسل بالأئمة الحفاظ الأثبات، فلو كان الحديث الذي رواه عبدالكريم عن سعيد بن جبير محفوظًا عن ابن جبير، لما عدل سعيد عن الاحتجاج به - حين سأله أيوب عن صبغ اللحية بالسواد - إلى قوله: "يعمد أحدكم إلى نور .. "، ولذكر له حديث: «يكون قوم آخر الزمان .. »؛ لما فيه من الوعيد الشديد الدال على حرمة هذا الفعل، وأنه من الكبائر.

وقد رواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن حماد بن زيد، عن أيوب، سمعت سعيد بن جبير وسئل عن الخضاب بالوسمة فكرهه، فقال: يكسو الله العبد في وجهه النور ثم يطفئه بالسواد ([41]).

6 - أن محمد بن الحنفية سئل عن الخضاب بالوسمة فقال: "هي خضابنا أهل البيت". وكان هو يختضب بالسواد ([42]).

وبعيد أن يروى ذلك عن أهل البيت - وابن عباس فقيههم - لو كان حديث عبدالكريم عن سعيد عن ابن عباس محفوظًا عنه.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015