(هـ) أن ظاهر القرآن وصريح الأحاديث الصحيحة: أنهم من ذرية آدم ومن ذرية نوح، كما عليه عامة العلماء، ولاينبغى الخلاف فى ذلك كما نبه عليه الحافظ ابن كثير فى تفسيره (3/ 109) وفى البدايه (2/ 101) وكذا الحافظ ابن حجر فى الفتح (13/ 131) فهم بشر مكلَّفون، يعيشون على هذه الأرض، كما يعيش سائر ذرية آدم، وقد كانوا قبل ذى القرنين يفسدون فى الأرض بالقتل والسلب.
والثابت تاريخيا وجغرافيا أنهم فى شمال شرقى الأرض، والأقرب أنهم التتار ومن وراءهم من شعوب الشرق، وقد شكى الناس شرّهم إلى ذى القرنين، فعمل سداً بين جبلين يكون حاجزا طبيعيا يمنعهم من الشعوب التى دون السدّ، فقضيتهم ليست قضية غيبية كما هو ظاهر الأدلة النقلية وكما نص عليه السعدى رحمه الله تعالى بل قضية تاريخية مشاهدة لمن عاصرها وشاهد آثارها، وإنما بَعْثُهم وخروجهم على اهل الأرض قبل قيام الساعة هو القضية الغيبية التى لايعلم متى يحين وقتها إلا الله عز وجل.
(و) أن بعثهم وخروجهم لا يفهم منه أنهم محجوزون عن العالم، أو فى مكان لا يعلمه أحد، إذ لا دلالة فى هذه الألفاظ على ذلك، بل بعثهم وتحريكهم هو أزُّهم، كما فى قصة بني اسرائيل (بعثنا عليكم عباداً لنا أولي بأس شديد) (الاسراء / 5). كما قال العلامة السعدي.وكذا ما جاء فى الأحاديث الصحيحة: (يخرج يأجوج ومأجوج) ليس فيه أنهم فى معزل عن العالم، وإنما مثله مثل قوله تعالى: (كنتم خير أمة أخرجت للناس) " آل عمران 110 " مع أنّ العرب موجودون قبل خروجهم وحملهم رسالة الإسلام للعالمين.
(ز) كما لايوجد نص صريح فى أن السد سيكون حاجزا يمنعهم عن أمم الأرض إلى وقت بعثهم وخروجهم، وإنما ظاهرها أنّ هذاً السدّ سيمنعهم من الإفساد فى الأرض فى تلك الفترة، وقوله تعالى: (فما استطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا) [الكهف/97] قال ابن كثير فى البداية (2/ 102): (أي فى ذلك الزمان لأن هذه صيغة خبر ماض فلا ينفى وقوعه فيما يستقبل)، ويؤيد ذلك ما جاء فى الصحيحين: (فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج).
وأما الآيات بعدها: (فإذا جاء وعد ربى جعلّه دكاء وكان وعد ربى حقا * وتركنا بعضهم يومئذ يموج فى بعض ونفخ فى الصور فجمعناهم جمعاً * وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضا) [الكهف/98 - 100].
* فقد اختلف المفسرون فى تأويلها:
قال القرطبي فى تفسيره (11/ 63): (فإذا جاء وعد ربى) أي يوم القيامة، وقيل: وقت خروجهم).
وكذا ذكر القولين البيضاوي فى تفسيره (ص/ 401)، والشوكانى فى فتح القدير (3/ 313).
وكذا اختلفوا فى تأويل قوله تعالى: (وتركنا بعضهم يومئذ يموج فى بعض) على ثلاثة أقوال:
(1) أى تركنا الخلائق يوم القيامة يموج بعضهم فى بعض.
(2) وقيل: تركنا يأجوج ومأجوج يموج بعضهم فى بعض بعد بناء السد.
(3) وقيل: تركنا يأجوج ومأجوج يموجون فى الدنيا بعد فتح السد.
قال القرطبي فى تفسيره (11/ 95): (فهذه ثلاثة أقوال، أظهرها أوسطها، وأبعدها أخرها، وحَسُنَ الأول لأنه تقدَّم ذكر القيامة فى تأويل قوله تعالى (فإذا جاء وعد ربى)).
وقد ذكر ابن جرير فى تفسيره (8/ 289) القول الأول، وذكر ابن كثير فى تفسيره (3/ 111) القول الأول والثالث، وذكر الشوكاني (3/ 315) الأقوال الثلاثة، وقال السعدي فى تفسيره (5/ 79) عن الضمير فى (وتركنا بعضهم): (يحتمل أن الضمير يعود إلى يأجوج ومأجوج، وأنهم إذا خرجوا على الناس من كثرتهم واستيعابهم للأرض كلها يموج بعضهم ببعض ويحتمل أن الضمير يعود إلى الخلاق يوم القيامة من الأهوال والزلازل العظام بدليل قوله [وتركنا بعضهم] إلى [لايستطيعون سمعا]).
وعليه فليس فى نصوص القرآن والسنة مايدل دلالة صريحة على أنّ السد سيكون مانعا لهم من الخروج إلى يوم بعثهم، وإنما سيكون مانعا لهم فى تلك الفترة الزمنية، ثم يقدر الله عز وجل بعد ذلك من الأسباب والموانع الصارفة لهم من الخروج على الناس حتى يأتى ذلك اليوم الموعود حيث يبعثهم الله عز وجل على أهل الأرض قبل قيام الساعة.
¥