وقد روى أبو زرعه الدمشقي فى تاريخه (2/ 545) بسند صحيح عن معاويه رضى الله عنه قوله فى كعب: (إن كان لمن أصدق هؤلاء المحدثين الذين يحدثون عن أهل الكتاب، وإن كنّا لنبلو عليه الكذب) أي الخطأ كما هى لغة قريش.

خامسا: مصادمة للأدلة النقلية:

(أ) فالحديث بهذا اللفظ يعارض ماثبت فى الصحيحين من حديث أبى هريرة نفسه رضى الله عنه مرفوعا: (فُتِحَ اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه) وعقد بيده تسعين)

ـ رواه البخارى فى الأنبياء، باب قصة يأجوج ومأجوج، (3/ 1221) حديث رقم (3169)

ولفظه: (فتح الله من ردم).

ـ ومسلم فى الفتن، باب اقتراب الفتن (4/ 2207) حديث رقم (2881) واللفظ له.

ـ ومن حديث زينب بنت جحش رضى الله عنها مرفوعا: (ويل للعرب من شر قد اقترب، فُتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه) وحلَّق بإصبعه الإبهام والتى تليها)

ـ رواه البخاري فى الباب (3168)، ومسلم فى الباب (2880).

ـ ففي هذين الحديثين إخبار عن انفتاح الردم فى عصر النبى صلى الله عليه وسلم.

فإن كان على قول من يقول: (أن هذا إشارة إلى فتح أبواب الشر والفتن، وأن هذه استعارة محضة، وضرب مثل فلا إشكال) كما قاله ابن كثير فى البداية (2/ 102).

وإن كان ذلك عن أمر حسي واقعي، فهو مصادم لظاهر الحديث الذي معنا، إذ فيه أنهم يحفرون، حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس تركوه فعاد أشد ما كان.

ففيه نفي أن يكون الردم قد انفتح، بل إنه يعود كل يوم بعد حفرهم أشد ما كان قبل الحفر، حتى أنهم لايرون شعاع الشمس.

(ب) وفى حديث زينب أنه سيلحق العرب خاصة من هذا البلاء العظيم ما قد اقترب أوانه، ولا شك أن فى تخصيص العرب بالذكر دون غيرهم، وتقريب ماسيقع لهم، دليل على أنه سيلحقهم من شرَّهم بلاء مخصوص قبل بعثهم على الأمم كافة، إذا أن خروجهم الأخير سيكون دماراً للانسانية كلَّها، لاينجو منه إلاّ عيسي ومن معه من المؤمنين، كما جاء فى صحيح مسلم فى الفتن (4/ 2250) حديث رقم (2137) من حديث النواس بن سمعان رضى الله عنه. وغيره كما عند ابن ماجة.

ولاشك أن ذلك يعارض ماجاء فى الحديث الذى معنا والذى فيه أنهم لايفتحون الردم إلاّ عندما يريد الله بعثهم على الأمم كافة.

ففي حديث زينب تحذير للعرب من شرَّ قد اقترب، وعندما سألته زينب: أنهلك وفينا الصالحون؟ يا رسول الله! قال: (نعم، إذا كثر الخبث).

فأخبر صلى الله عليه وسلم أن ماسيصيب العرب منهم سيهلك فيه الصالحون، بينما فى خروجهم وبعثهم الأخير على أهل الأرض يأمر الله رسوله عيسى عليه السلام أن يحرَّز المؤمنين إلى الطور والى حصونهم فيسلم الصالحون، كما في حديث النواس بن سمعان رضى الله عنه وغيره.

(ج) كما أن لفظ حديث قتادة هذا مصادم لظاهر القرآن وقد ذكر ابن كثير فى تفسيره (3/ 110) بعض مافيه من مشكل يعارض ظاهر القرآن وقال إنّ (فى رفعه نكارة).

ولعلَّ أشكل مافيه قوله: (يحفرون كل يوم حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس فيعيده الله أشد ما كان).

ففيه أنهم لايرون شعاع الشمس بسبب هذا السد وظاهر القرآن: أنّ ذا القرنين إنما جعل بين الجبلين سداً يحجز هؤلاء المفسدين عمن دون السدَّ من المستضعفين، ولو فعل ذو القرنين ماهو أعظم شأنا من ذلك، لنزل القرآن به، إذ القصة ونزول الآيات انما كان بسبب سؤال اليهود أو المشركين النبى صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فلو فات ذكر أهم مافيها، وأعظم أخبارها، لاستدركوه على النبى صلى الله عليه وسلم، فلما لم يذكر من أفعال ذى القرنين إلاّ بناء السد، عُلم أنه لم يقع منه ما هو أخطر شأناً منه.

وبناء السد لايقتضى حجب شعاع الشمس عنهم كماهو ظاهر حديث قتادة.

(د) وكذلك يشكل على حديث قتادة:

ـ مارواه الإمام أحمد فى المسند (5/ 271).

ـ وابن أبى عاصم فى الآحاد والمثاني (6/ 190) عن أبى بكر بن أبى شيبة.

ـ كلاهما: أحمد وأبن أبى شيبة عن محمد بن بشير، عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن خالد بن عبد الله بن حرملة، عن خالته قالت: (خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (إنكم تقولون لا عدو! ولاتزالون تقاتلون عدواً حتى تقاتلون يأجوج ومأجوج، عراض الوجوه، صغار العيون، صهب الشعاف، من كل حدب ينسلون، كأن وجوههم المجان المطرقة).

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015