2 ـ وتفرد يوجب التوقف حتى توجد المتابعات والشواهد التي تدل على أن للحديث أصلا.
3 ـ واختلاف واضطراب يوجب جمع رواياته للوقوف على الصحيح منها.
ولذلك قام الباحث بما يلي:
1 ـ جمع أقوال أئمة الجرح والتعديل فيه ورجح كونه عدلا صدوقا يخطأ في الرواية ما يوجب التأكد من عدم وقوع شيء من الوهم في حديثه هذا.
2 ـ كما جمع الباحث روايات حديث سهيل فإذا أصحابه الحفاظ الأثبات يختلفون عليه في لفظه تارة يقول (اليهود) وتارة يقول (أهل الكتاب) وتارة يقول (المشركين) وهذا الخلاف من سهيل نفسه لا من أصحابه، ولا يمكن الجمع بينه لما بينها من التغاير والتباين كما بين العام والخاص، لا كما بين الألفاظ المترادفة وخلاف التنوع، ما يوجب التوقف في هذا اللفظ حتى يأتي ما يرجح أحد هذه الألفاظ.
3 ـ كما قام الباحث بالبحث عن متابعاته وشواهده، فوقف فيه على نكارة وتفرد، فلم يتابع سهيل أحد على روايته لا عن أبيه ولا عن أبي هريرة ولا عن النبي صلى الله عليه وسلم بهذا اللفظ العام المطلق، وليس مثله من يقبل منه هذا التفرد، حتى قال أبو حاتم ويحيى بن معين (لا يحتج به)، ولم يخرج له البخاري احتجاجا، وقد ذكر ابن عدي هذا الحديث في غرائب حديثه ومناكيره، خاصة لفظ (اضطروهم إلى أضيق الطريق) هكذا على سبيل العموم والإطلاق.
4 ـ ثم جمع الباحث شواهد الحديث ـ حديث أبي بصرة والجهني وابن عمر ـ فإذا كلها في قصة طويلة تفسر الاختصار في حديث سهيل واتفقت مع حديث سهيل بلفظ (إذا لقيتم اليهود فلا تبدؤوهم بالسلام) وزادت عليه بإيراد القصة وقوله (إنا غادون غدا) وزادت كذلك (وإذا سلموا عليكم فقولوا وعليكم).
فصح هذا القدر من حديث سهيل وهو القدر الذي وافق فيه الأحاديث الأخرى وثبت عدم صحة لفظة (المشركين) ولا لفظة (أهل الكتاب) وأنها من تصرف سهيل ولم يتابع عليها ولا شاهد لها فكانت روايته التي رواها عنه وكيع عن الثوري بلفظ (اليهود) هي الموافقة للأحاديث الأخرى.
فثبت أن ن هذا الحديث جاء في سياق قصة تكشف عن معناه، وأنه ليس على عمومه، ولا على إطلاقه، وأن سهيل اختصره فأخل فيه، أو نسيه، أو أنه هو أو أبوه اجتهد في قياس أهل الكتاب والنصارى الذين كان يجدهم في الشام على اليهود الذين ورد فيهم الحديث، أو حمل الحديث على عمومه اجتهادا منه، بينما رواه أبو بصرة الغفاري وأبو عبد الرحمن الجهني وعبد الله بن عمر، في سياق خروج النبي صلى الله عليه وسلم لحصار بني قريضة، فنهى أصحابه عن ابتدائهم بالسلام، وأمرهم أن يقتصروا بالرد على (وعليكم)، حتى لا يكون أمانا يمنع من حربهم، كما أمرهم بالتضييق عليهم في الطريق للسبب ذاته وهو أنه جاء لحربهم.
رابعا: كما إنه جاءت أحاديث صحيحة عامة عن جماعة من الصحابة منهم البراء بن عازب وعبدالله بن سلام وعبد الله بن عمرو وأبي أمامة الباهلي تأمر بإفشاء السلام على العالم من يعرف ومن لا يعرف، وهي موافقة لظاهر الآيات القرآنية.
خامسا: إن السنة الفعلية للنبي صلى الله عليه وسلم جاءت موافقة لسنته القولية فثبت عنه أنه جاء لمجلس فيه أخلاط من المشركين واليهود والمسلمين وسلم عليهم أجمعين ودعاهم إلى الإسلام وقرأ عليهم القرآن.
سادسا: وكذلك ثبت عن جماعة من الصحابة كابن مسعود وأبي أمامة الباهلي وروي عن فضالة بن عبيد وأبي الدرداء وابن عباس أنهم كانوا يبتدئون بالسلام غير المسلم، أو يسلمون على كل أحد يمرون به مسلما كان أو غير مسلم، أخذا منهم بعموم النصوص القرآنية والنبوية، وقد ذهب إلى جواز ذلك النخعي وابن عيينة والأوزاعي ـ وأقر القرطبي أنه هو الظاهر من النصوص القرآنية، لولا وجود حديث سهيل هذا ـ ووافقهم إسحاق بن راهويه والطبري فيما إذا كان هناك سبب يقتضي ابتداءهم بالسلام كصحبة وحاجة وجوار وسفر ونحوها من الأسباب، والراجح الجواز مطلقا لعموم الأدلة، وإنما يمنع ابتداؤهم بالسلام في حالة الحرب فقط.
سابعا: وإن المشروع في الرد على من حيّا وسلم مسلم كان أو غير مسلم الرد بأحسن أو بمثل ما سلم وحيا به، لعموم قوله تعالى {وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها}.
¥