وإصلاح البال، وهو الشأن، ولا مانع من ذلك بخلاف، تشميت المسلمين فإنهم أهل الدعاء بالرحمة بخلاف الكفار) ([146]) انتهى.
وهذا فيه نظر أيضا فإن الرحمة قد تكون أيضا دنيوية، كالدعاء بصلاح البال لغير المسلم إذا عطس، وقد أمر القرآن بالدعاء للوالدين بالرحمة وإن كانا مشركين ماداما حيين، قال القرطبي في آية {وقل ربي ارحمهما كما ربياني صغيرا} (وقيل: ليس هذا موضع نسخ فهو دعاء بالرحمة الدنيوية للأبوين المشركين ما داما حيين، كما تقدم، أو يكون عموم هذه الآية خص بتلك لا رحمة الآخرة، لاسيما وقد قيل إن قوله {وقل رب ارحمهما} نزلت في سعد بن أبي وقاص فإنه أسلم فألقت أمه نفسها في الرمضاء متجردة فذكر ذلك لسعد فقال: لتمت فنزلت الآية، وقيل: الآية خاصة في الدعاء للأبوين المسلمين، والصواب أن ذلك عموم) ([147]) انتهى.
بل إن الدعاء لهم بلفظ (يهديكم الله ويصلح بالكم)، قد يكون أفضل من يرحمكم الله أو يغفر الله لكم، قال ابن عبد البر (واختار الطحاوي قوله (يهديكم الله ويصلح بالكم) لأنه أحسن من تحيته ـ أي قول المشمت يرحمكم الله أو يغفر الله لكم ـ لأن حال من هدي وأصلح باله فوق المغفور له). ([148])
وقال الحافظ ابن حجر (وقد أخذ به الطحاوي من الحنفية واحتج له بقول الله تعالى {وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها} قال والذي يجيب بقوله (غفر الله لنا ولكم) لا يزيد المشمت على معنى قوله (يرحمك الله) لأن المغفرة ستر الذنب، والرحمة ترك المعاقبة عليه، بخلاف دعائه له بالهداية والإصلاح فإن معناه أن يكون سالما من مواقعة الذنب صالح الحال فهو فوق الأول فيكون أولى).
والمقصود أن الرد بالمثل على من سلم من المشركين وقال (السلام عليكم ورحمة الله وبركاته) يقتضي أن يقول الراد (وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته)، ولا يحتج بحديث اليهود وتعاطسهم عند النبي صلى الله عليه وسلم وقوله لهم (يهديكم الله ويصلح بالكم)، فهذه سنة في تشميت غير المسلمين، بالدعاء لهم بالهداية وصلاح الحال، وهو الدعاء نفسه الذي يقوله العاطس المسلم لمن شمته من المسلمين، حين يقول (يرحمك الله) فيجاب بلفظ (يهديكم الله ويصلح بالكم)، فلا يقاس عليها السلام المأمور فيه بنص الكتاب برده بأحسن منه أو بمثله.
خاتمة البحث
وختاما فقد درس الباحث دراسة حديثية نقدية حديث سهيل (لا تبدؤوا المشركين بالسلام) وهو راو مختلف فيه فمن الأئمة من وثقه كأحمد ومسلم الذي أخرج له فعيب عليه أخراج حديثه ـ كما ذكره الحاكم ـ ومن الأئمة من ضعفه وترك الاحتجاج به كابن معين وأبي حاتم والبخاري ولم يخرج له في صحيحه احتجاجا وعاب الدارقطني عليه ذلك أيضا.
ولا خلاف بأن ترك من تركه إنما سببه كثرة ما وقع في حديثه من خطأ واختلاف بسبب سوء حفظه لعلة أصابته، فحين يأتي الباحث لدراسة حديث من أحاديث هذا الضرب من الرواة المختلف فيهم ويجد في بعض حديثه خللا ما فإنه وإن رجح صدقه وعدالته ـ موافقة لم وثقوه وصححوا حديثه ـ فإنه كذلك وكما تقتضيه الدراسة النقدية الموضوعية رجح كونه أخطأ ووهم واضطرب في هذا الحديث الذي وقع فيه خلل ـ موافقة لمن تكلموا فيه وتركوه واتقوا حديثه ـ فاحتاج الباحث أولا إلى إثبات وقوع الخلل في الرواية وذكر ما فيها من علة حينئذ، وهو ما يقتضي إبراز جانب الضعف في الراوي الذي يظهر من خلاله عدم استبعاد وقوع الوهم منه ثم لما أبان عن ذلك، احتاج إلى التوفيق بينه وبين الأحاديث الأخرى بالقدر الذي وافقها فيه ليثبت أنه وإن وقع في حديثه خلل جزئي، إلا أنه له أصل صحيح يرجع إليه لدفع الوهم الكلي، فتنزل الباحث في دراسته النقدية مع كلا الفريقين سواء من وثقوه أو من ضعفوه.
فإن قيل هو ثقة مخرج في صحيح مسلم، قيل على فرض الاحتجاج به فليس هو من الأئمة المتفق عليهم بل غايته ثقة متكلم فيه حتى قال في التقريب (صدوق تغير حفظه) فليس مثله من يقوى على التفرد حتى على قواعد من وثقوه!
وإن قيل هو ضعيف لا يحتج به أصلا قيل فإن حديثه هذا له شواهد صحيحة تقويه وترفع من درجته برده إليها وعرضه عليها!
ومعلوم عند أهل الفن أنه ليس كل علة توجب ضعف الحديث ولا كل اضطراب واختلاف يوجب رده، وقد ظهر للباحث أن هذا الحديث فيه ثلاث علل:
1 ـ ضعف في حفظ سهيل يوجب التثبت وتجنب ما قد يقع في روايته من الخطأ والوهم.
¥