أما ما عدا ذلك، فإذا حيوا بتحية طيبة، فالمأمور به بنص الكتاب الرد بالأحسن وهو الأفضل كما يفيده تقديم ذلك في سياق الآية ([136]) أو ردها كما هي، وعدم الاقتصار على ما هو دونها كما هو ظاهر قوله تعالى {وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها} ([137]).

وهذا قول ابن عباس قال: ردوا السلام على من كان يهوديا أو نصرانيا أو مجوسيا ذلك بأن الله يقول {وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها}. ([138])

وكذلك يدخل في عموم الآية إذا قال المشرك (السلام عليكم ورحمة الله وبركاته) وجب الرد بمثل ذلك، كما صح عن ابن عباس أيضا: قال: لو قال لي فرعون: بارك الله فيك قلت: وفيك وفرعون قد مات. ([139])

وقد أورده البخاري في الأدب المفرد في باب (كيف يدعو للذمي)، فمقصود ابن عباس بيان مشروعية الدعاء لغير المسلم بالبركة والخير، كما ورد عن ابن عمر وعقبة بن عامر في أنهما دعيا لذمي (أكثر الله مالك وولدك)، وهي البركة الدنيوية!

قال ابن القيم (فصل: كيف نرد عليهم إذا تحقق لدينا أنهم قالوا السلام عليكم؟ فلو تحقق السامع أن الذمي قال له (سلام عليكم) لا شك فيه فهل له أن يقول (وعليك السلام) أو يقتصر على قوله (وعليك)؟ فالذي تقتضيه الأدلة الشرعية وقواعد الشريعة أن يقال له (وعليك السلام) فإن هذا من باب العدل والله يأمر بالعدل والإحسان، وقد قال تعالى {وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أوردوها} فندب إلى الفضل وأوجب العدل، ولا ينافي هذا شيئا من أحاديث الباب بوجه ما، فإنه إنما أمر بالاقتصار على قول الراد (وعليكم) بناء على السبب المذكور الذي كانوا يعتمدونه في تحيتهم وأشار إليه في حديث عائشة رضي الله عنها فقال (ألا ترينني قلت وعليكم لما قالوا السام عليكم)؟ ثم قال (إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا وعليكم) والاعتبار وإن كان لعموم اللفظ فإنما يعتبر عمومه في نظير المذكور لا فيما يخالفه، قال تعالى {وإذا جاءوك حيوك بما لم يحيك به الله ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول} فإذا زال هذا السبب وقال الكتابي (سلام عليكم ورحمة الله) فالعدل في التحية يقتضي أن يرد عليه نظير سلامه) ([140]) انتهى كلامه.

فالدعاء لغير المسلمين بالخير والصلاح والرزق والبركة جائز كما في قوله تعالى في شأن الوالدين وإن كانا مشركين {واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل ربي ارحمهما كما ربياني صغيرا} ([141])

قال الطبري (وقد تأول قوم قول الله: {ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى} ([142]) الآية أن النهي من الله عن الاستغفار للمشركين بعد مماتهم لقوله: {من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم} وقالوا: ذلك لا يتبينه أحد إلا بأن يموت على كفره وأما وهو حي فلا سبيل إلى علم ذلك فللمؤمنين أن يستغفروا لهم.

ذكر من قال ذلك: حدثنا سليمان بن عمر الرقي حدثنا عبد الله بن المبارك عن سفيان الثوري عن الشيباني عن سعيد بن جبير ([143]) قال: مات رجل يهودي وله ابن مسلم لم يخرج معه فذكر ذلك لابن عباس فقال: كان ينبغي له أن يمشي معه ويدفنه ويدعو له بالصلاح ما دام حيا فإذا مات وكله إلى شأنه! ثم قال: {وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه} لم يدع.

حدثنا ابن وكيع قال حدثنا فضيل عن ضرار بن مرة عن سعيد بن جبير قال: مات رجل نصراني فوكله ابنه إلى أهل دينه فأتيت ابن عباس فذكرت ذلك له فقال: ما كان عليه لو مشى معه وأجنه واستغفر له؟ ثم تلا: {وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه} الآية) ([144]).

وقال الحافظ ابن حجر (أخرج أبو داود وصححه الحاكم ([145]) من حديث أبي موسى الأشعري قال كانت اليهود يتعاطسون عند النبي صلى الله عليه وسلم رجاء أن يقول يرحمكم الله فكان يقول (يهديكم الله ويصلح بالكم) قال بن دقيق العيد إذا نظرنا إلى قول من قال من أهل اللغة أن التشميت الدعاء بالخير دخل الكفار في عموم الأمر بالتشميت، وإذا نظرنا إلى من خص التشميت بالرحمة لم يدخلوا، قال ولعل من خص التشميت بالدعاء بالرحمة بناه على الغالب لأنه تقييد لوضع اللفظ في اللغة. قلت ـ أي ابن حجر ـ وهذا البحث أنشأه من حيث اللغة، وأما من حيث الشرع فحديث أبي موسى دال على أنهم يدخلون في مطلق الأمر بالتشميت، لكن لهم تشميت مخصوص وهو الدعاء لهم بالهداية

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015