ولا شك بأن بينها اختلافا ظاهرا ومؤثرا يترتب عليه اختلاف في الحكم فيما تعم به البلوى فلفظ المشركين أعمها كلها فيدخل فيه كل من لم يكن مسلما، وأهل الكتاب أخص من المشركين وأعم من اليهود، فيدخل فيه اليهود والنصارى والصابئة على قول من يقول بأنهم من أهل الكتاب، ولفظ اليهود أخص هذه الألفاظ الثلاث كلها، فلا يدخل فيه إلا هذه الطائفة من أهل الكتاب الذين على دين موسى، فليس الاختلاف بينها اختلاف تنوع بل اختلاف تغاير وتباين كما بين العام والخاص.

فإذا ثبت ذلك فإن الحكم يختلف باختلافها فإذا رجحت رواية اليهود ـ دون النظر إلى الشواهد الأخرى ـ فالحكم حينئذ خاص باليهود وإنما قد يلحق بهم غيرهم قياسا عليهم، وقد يرده المخالف بأن النصوص العامة في إفشاء السلام تبقى على عمومها، ويخرج منها اليهود فقط بدلالة هذا الحديث الخاص بهم لشدة إيذائهم وعداوتهم للنبي صلى الله عليه وسلم وللمسلمين فاستحقوا عدم ابتدائهم بالسلام.

أما إذا ترجح لفظ (المشركين) فيكون المنع عاما من ابتداء غير المسلمين بالسلام على اختلاف مللهم وأديانهم.

ولا يصلح الاحتجاج بأن أبا صالح والد سهيل كان يمر بصوامع النصارى ويقول لا تبدؤوهم بالسلام .. الخ

لأن هذا قد يكون اجتهادا منه والمطلوب هو لفظ روايته لا رأيه، وروايته لم يروها عنه إلا ولده سهيل واضطرب فيها ومما يؤكد ذلك قول الرواة عنه كجرير بن عبد الحميد (قال هذا للنصارى في النعت ونحن نراه للمشركين)، وقول زهير بن معاوية حين سأله علي بن الجعد عن لفظ سهيل قلت لزهير: (اليهود والنصارى؟ قال المشركين).

وقد رواه جماعة من الصحابة بلفظ آخر يدل على وجه الحديث، ويكشف عن وهم سهيل وأنه قد يكون اختصره ورواه بالمعنى فلم يضبطه، أو يكون نسيه، فقد رواه:

1 ـ أبو عبدالرحمن الجهني:

رواه محمد بن إسحاق عن يزيد بن أبي حبيب عن مرثد بن عبد الله اليزني عن أبي عبد الرحمن الجهني قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إني راكب غدا إلى اليهود فلا تبدؤوهم بالسلام فإذا سلموا عليكم فقولوا وعليكم). ([92])

2 ـ أبو بصرة الغفاري:

رواه محمد بن إسحاق عن يزيد بن أبي حبيب عن مرثد عن أبي بصرة الغفاري سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إني راكب غدا إلى يهود فلا تبدؤوهم بالسلام فإذا سلموا عليكم فقولوا وعليكم). ([93])

ورواه ابن لهيعة قال ثنا يزيد بن أبى حبيب عن أبى الخير ـ مرثد اليزني ـ قال سمعت أبا بصرة يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إنا غادون إلى يهود فلا تبدؤوهم بالسلام فإذا سلموا عليكم فقولوا وعليكم). ([94]) وفي رواية عن أبي بصرة: قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنا ذاهبون غدا إلى اليهود فإذا لقيتموهم فسلموا عليكم فقولوا وعليكم) فلقيناهم وسلموا علينا فقلنا وعليكم. ([95])

ورواه عبد الحميد بن جعفر عن يزيد بن أبى حبيب عن أبى بصرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنا غادون على يهود فلا تبدؤوهم بالسلام فإذا سلموا عليكم فقولوا وعليكم). ([96])

وفي رواية عن عبد الحميد بن جعفر عن يزيد بن أبي حبيب عن مرثد بن عبد الله اليزني عن أبي بصرة الغفاري:أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم: (إني راكب إلى يهود فمن انطلق معي منكم فلا تبدؤوهم بالسلام فإن سلموا فقولوا وعليكم) فلما جئناهم سلموا علينا فقلنا وعليكم. ([97])

والحديث صحيح على كل حال ولا يضره الاختلاف في اسم الصحابي، سواء كان الغفاري أو الجهني، هذا إذا لم يثبت عنهما جميعا، كما رواه محمد بن إسحاق عن يزيد بن حبيب عل الوجهين.

3 ـ عبد الله بن عمر:

رواه البيهقيقال ـ الثوري ـ

رواه سفيان الثوري عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنكم لاقون اليهود غدا، فلا تبدؤوهم بالسلام، فإن سلموا عليكم فقولوا وعليك).

قال البيهقي: أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح من حديث سفيان. ([98])

وأصله في البخاري ومسلم مختصرا من حديث مالك عن ابن دينار عن ابن عمر بلفظ (إذا سلم عليكم اليهود فإنما يقول أحدهم السام عليك فقل وعليك). ([99])

ورواه البخاري أيضا ـ من حديث سفيان ومالك ـ بلفظ (إن اليهود إذا سلموا على أحدكم إنما يقولون سام عليك فقل عليك). ([100])

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015