وأما اتباع الجنائز فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم عليا أن يواري أباه حين توفي قال العيني (وبه استدل أصحابنا بهذا الحديث على أن المسلم إذا مات له قريب كافر يغسله ويدفنه، وقال صاحب "الهداية":و إن مات الكافر وله ولي مسلم يغسله ويكفنه ويدفنه، بذلك أمرَ علي في حق أبيه أبي طالب). ([88])

فهؤلاء شراح الحديث من السلف والخلف نصوا على عموم هذه الأحاديث في المسلم وغير المسلم في بعض هذه الأوامر ولم يشكل عليهم ذلك، ويتحصل من مجموع أقوالهم أنه عام في إفشاء السلام وصلة الأرحام وإطعام الطعام ورد السلام ونصرة المظلوم وعيادة المريض وتشميت العاطس وإجابة الدعوة، فمنها ما الأمر فيه على سبيل الوجوب بالنسبة لغير المسلم كنصرة المظلوم لمن قدر عليه، وصلة الرحم للوالدين ونحوهما، ورد السلام، وتشميت العاطس منهم إذا حمد الله، ومنها ما هو على سبيل الندب والاستحباب كإفشاء السلام، وإطعام الطعام، وإجابة الدعوة، وإتباع الجنازة إذا كان المقصود مواراتها ودفنها ويكون واجبا إذا لم يكن هناك من يدفنه غيره.

وكذا إبرار القسم حيث أن معناه معقول وأن المقصود من ذلك تعظيم الأيمان بالله فالراجح العموم كما قال ابن الجوزي (وأما إبرار القسم فلمعنيين أحدهما لتعظيم المقسم به والثاني لئلا يحنث الحالف). ([89]) وقال العيني (الوجه الخامس في إبرار القسم وهو خاص فيما يحل وهو من مكارم الأخلاق فإن ترتب على تركه مصلحة فلا). ([90])

ومعلوم أن مكارم الأخلاق تكون مع المسلم وغير المسلم كما في الحديث (إنما بعثت لأتمم صالح ـ أو مكارم ـ الأخلاق). ([91])

المبحث الثالث: بيان وجه حديث سهيل وكشف علته:

فهذه الآثار عن هؤلاء الصحابة ـ ابن مسعود وأبي أمامة وفضالة بن عبيد وأبي الدرداء ـ كلها تدل على أنهم فهموا العموم من النصوص القرآنية والأحاديث النبوية ولم يخصصها عندهم شيء، ولم يذكر النووي ولا الحافظ في الفتح ولا ابن عبد البر ولا غيرهم حجة لمن خصصوا عموم هذه النصوص إلا حديث سهيل عن أبيه!

وقد اجتمع فيه ثلاث علل تستوجب التثبت فيه:

الأولى: إن سهيل بن أبي صالح ساء حفظه كما قال البخاري، ولهذا تجنب الاحتجاج به في صحيحه، وقال أبو حاتم ويحيى بن معين لا يحتج به!

الثانية: أنه تفرد به، ولم يتابع على روايته هذه، لا عن أبيه، ولا عن أبي هريرة، حتى ذكر حديثه هذا ابن عدي في الكامل، ولم يرو أحد غير سهيل لفظة (واضطروهم إلى أضيق الطريق)!

الثالثة: أنه ثبت اضطرابه في روايته، فتارة يقول (المشركين)، وتارة (أهل الكتاب)، وتارة (اليهود)، فوجب التثبت منه.

فهل سمع سهيل من أبيه عن أبي هريرة الحديث بلفظ (إذا لقيتم اليهود فلا تبدؤوهم بالسلام) أم سمعه بلفظ (إذا لقيتم أهل الكتاب) أم (إذا لقيتم المشركين) أم (لا تبدؤوهم بالسلام) على الاضمار لقوم معهودين للمخاطبين؟ وهل رواها سهيل بالمعنى واجتهد فيها؟ أم قاس على اليهود أهل الكتاب؟ أم قاس المشركين على أهل الكتاب؟ أم كان الاجتهاد من أبيه في قياس النصارى في الصوامع على يهود بني قريضة حين منع النبي صلى الله عليه وسلم من ابتدائهم بالسلام دون مراعاة الفرق بين المحاربين وغيرهم؟

فهذه الألفاظ ليس كل واحد منها حديثا مستقلا واردا عن الشارع ليجب الجمع بينها ويقال يبقى العام منها وهو (المشركين) على عمومه وذكر بعض أفراده أي (اليهود) و (أهل الكتاب) لا يفيد التخصيص بل مزيد العناية ... الخ

وإنما هو حديث واحد مداره على راو واحد متكلم في حفظه، وقد اختلف عليه أصحابه الحفاظ الأثبات في هذه الألفاظ، ولا يمكن نسبة الخطأ إليهم، فكان الصحيح القول بأنه هو مصدر هذا الاختلاف، حيث اضطرب في روايته تارة يرويه على هذا الوجه، وتارة على ذلك، وتارة على ذاك.

ومما يؤكد أنه خلاف مؤثر كون مسلم في صحيحه وأحمد في مسنده وغيرهما نبهوا على الخلاف بين أصحاب سهيل بعضهم يقول (اليهود) وبعضهم (أهل الكتاب) وبعضهم (المشركين).

بل إن الرواة عن أصحاب سهيل كانوا يتحققون منهم هل قال سهيل (المشركين) أم (أهل الكتاب)؟ كما فعل أصحاب زهير بن معاوية وجرير بن عبد الحميد لأنهم يدركون الفرق بين مدلول كل لفظ وما يترتب عليه من حكم!

والسؤال هنا هل بين هذه الألفاظ اختلاف في دلالاتها أم لا؟ وهل هو اختلاف مؤثر في الحكم أم لا؟ وهل هو فيما تعم به البلوى أم لا؟

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015