وقد يكون مسلم لا يرى اختلافا بين حديث سهيل ـ في الجملة ـ والأحاديث الأخرى في الباب كما نبه عليه ابن عبد البر من أن رواية سهيل بمعنى حديث الجهني سواء فقال ( ... عن أبي عبد الرحمن الجهني قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول (إني راكب غدا إلى يهود فلا تبدؤوهم بالسلام فإذا سلموا عليكم فقولوا وعليكم) وروى جماعة من الأئمة عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم معنى حديث أبي عبد الرحمن الجهني سواء) ([58]) انتهى كلام ابن عبد البر.
وحديث الجهني واضح وصريح بأنه في قصة حصار بني قريضة فكأن مسلما يرى أن حديث سهيل أو بعض رواياته ـ كرواية وكيع عن الثوري عن سهيل ـ كحديث الجهني وأبي بصرة الغفاري سواء وليس بالضرورة أن يوافق مسلم الفقهاء الذين احتجوا بهذا الحديث على إطلاقه وعمومه.
والمقصود أن تخريج مسلم لحديث في الشواهد مع تنبيهه على الخلاف في لفظه يمنع من الادعاء بأنه يصححه مطلقا وإنما يصححه من حيث الجملة ـ أي أصل الحديث ـ فيما وافق فيه أحاديث الباب لا فيما خالفها فيه من الألفاظ.
كما لا يرفع تخريج مسلم لحديث ما الخلاف فيه إذا كان فيه خلاف سابق بل تبقى القضية اجتهادية ينظر فيها إلى قول كل طرف ويحكم فيها بحسب الأدلة لا بحسب التقليد فليس أبو حاتم ومن معه بأقل من مسلم في هذا الفن، فإذا قال عن سهيل (لا يحتج به) واحتج به مسلم وجب النظر إلى قوله بعين الاعتبار حتى يحكم الدليل بينهما.
المبحث الثاني: النصوص المعارضة ظاهريا لحديث سهيل:
وحديث سهيل هذا يعارض ظاهره أحاديث عامة بإفشاء السلام أصح منه إسنادا وأصرح معنى فمنها:
1 ـ حديث البراء في الصحيحين (أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع ... وإفشاء السلام). ([59])
2ـ حديث عبد الله بن سلام وكان أول شيء قاله النبي صلى الله عليه وسلم أول يوم دخل فيه المدينة (يا أيها الناس أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام). ([60])
3ـ حديث عبد الله بن عمرو أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الإسلام خير؟ قال (تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف). ([61])
وهذه الأحاديث المشهورة الصحيحة كلها تفيد العموم وهي موافقة لظاهر القرآن تمام الموافقة كما في قوله تعالى في شأن المشركين (سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين) ([62])، وقوله (فاصفح عنهم وقل سلام) ([63]) قال ابن جرير الطبري أي ( .. (سلام عليكم) ورفع سلام بضمير عليكم أو لكم) ([64]).
وفي حديث سهيل تخصيص لعموم هذه النصوص الظاهرة في دلالتها على العموم والشمول، وليس يقوى على تخصيصها إلا نص صحيح ظاهر الدلالة على التخصيص ـ بل إن حديث سهيل ليس مخصصا فقط بل هو ناسخ لحكم الآيات القرآنية الدالة على جواز ابتداء المشركين بالسلام حال الصفح عنهم، حيث رفع حديث سهيل هذا الحكم بالكلية ومنع من ابتداء المشركين وأهل الكتاب بالسلام، وهو حجة من قالوا بالمنع وادعوا النسخ وليس لهم دليل غيره!!
وقد احتج بعموم هذه الآيات جماعة من السلف على مشروعية ابتداء المشركين بالسلام ومن ذلك:
1 ـ عن شعيب بن الحبحاب قال: كنت مع علي بن عبد الله البارقي فمر علينا يهودي أو نصراني فسلم عليه فقال شعيب: قلت إنه يهودي أو نصراني! فقرأ علي آخر سورة الزخرف {وقيله يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون. فاصفح عنهم وقل سلام فسوف يعلمون} ([65]). ([66])
2 ـ عن المسعودي عن عون بن عبد الله قال: سأل محمد بن كعب عمر بن عبد العزيز عن ابتداء أهل الذمة بالسلام فقال: ترد عليهم ولا تبتدئهم.
قلت: فكيف تقول أنت؟ قال: ما أرى بأسا أن نبدأهم!
قلت:لم؟ قال:لقول الله تعالى {فاصفح عنهم وقل سلام فسوف يعلمون}. ([67])
3 ـ ابن عيينة قال يجوز ابتداء الكافر بالسلام لقوله تعالى {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين} وقول إبراهيم لأبيه {سلام عليك} ([68]).
كما احتج بعموم النصوص القرآنية والنبوية جماعة من الصحابة وسلف الأمة عملا أو قولا منهم:
1ـ أبو أمامة الباهلي:
رواه إسماعيل بن عياش عن محمد بن زياد الألهاني وشرحبيل بن مسلم عن أبي أمامة (أنه كان لا يمر بمسلم ولا يهودي ولا نصراني إلا بدأه بالسلام) وعن أبي أمامة مرفوعا (أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نفشي السلام). ([69])
¥