ولا شك بأن حديث سهيل هذا فيه نكارة تستوجب التثبت فيه مع أنه وفق كلام الأئمة منكر بلا خلاف ـ أما عند ابن معين وأبي حاتم والبخاري فلأنهم لا يحتجون به أصلا بل يضعفونه وأما عند من وثقه فلأنه ليس من الحفاظ الأثبات بلا خلاف كي يقبل تفرده على هذا النحو ـ و لم يتابع عليه ولهذا احتاج إلى إزالة نكارته بالشواهد، ولما كانت الشواهد تخالفه في إطلاقه وتعميمه وجب الجمع بينه وبينها ليستقيم معناه فتزول عنه نكارة لفظه من جهة، ويقوى إسناده من جهة أخرى، حيث إن سهيل ـ كما هو معروف عنه ـ تغير حفظه فقد يكون نسي حديثه فاختصره واضطرب في روايته ولا يزول ذلك الخلل إلا بعرض روايته على الروايات الأخرى التي قد تكشف وجه حديثه هذا.

ووجوب التوقف والتثبت لا يقتضي عدم صحة الحديث كما قال الشيخ طاهر الجزائري (ألا ترى أنهم يقولون إن الحديثين الصحيحين إذا تعارضا ولم يمكن الجمع بينهما ولا ترجيح أحدهما على الآخر توقف فيهما فالتوقف في الحديث لعارض لا يمنع من تسميته صحيحا). ([52])

وكذا تخريج مسلم له لا يرفع عنه النكارة إذ القاعدة في ارتفاعها وجود المتابع أو الشاهد كما قال ابن حبان في مقدمة صحيحه (وإني أمثل للاعتبار مثالا يستدرك به ما وراءه وكأنا جئنا إلى حماد بن سلمة فرأيناه روى خبرا عن أيوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم لم نجد ذلك الخبر عند غيره من أصحاب أيوب فالذي يلزمنا فيه التوقف عن جرحه والاعتبار بما روى غيره من أقرانه فيجب أن نبدأ فننظر هذا الخبر هل رواه أصحاب حماد عنه أو رجل واحد منهم وحده فإن وجد أصحابه قد رووه علم أن هذا قد حدث به حماد وإن وجد ذلك من رواية ضعيف عنه ألزق ذلك بذلك الراوي دونه، فمتى صح أنه روى عن أيوب ما لم يتابع عليه يجب أن يتوقف فيه ولا يلزق به الوهن بل ينظر هل روى أحد هذا الخبر من الثقات عن ابن سيرين غير أيوب؟ فإن وجد ذلك علم أن الخبر له أصل يرجع إليه، وإن لم يوجد ما وصفنا نظر حينئذ هل روى أحد هذا الخبر عن أبي هريرة غير ابن سيرين من الثقات؟ فإن وجد ذلك علم أن الخبر له أصل، وإن لم يوجد ما قلنا نظر هل روى أحد هذا الخبر عن النبي صلى الله عليه و سلم غير أبي هريرة؟ فإن وجد ذلك صح أن الخبر له أصل ومتى عدم ذلك والخبر نفسه يخالف الأصول الثلاثة علم أن الخبر موضوع لا شك فيه .. ). ([53])

الاعتذار عن تخريج مسلم لهذا الحديث:

ولا لوم على مسلم في تخريجه هذا الحديث عن سهيل، فقد أبان مسلم عن منهجه في مقدمة صحيحه فهو يخرج في الباب أولا أحاديث أهل الطبقة الأولى وهم أهل الحفظ والإتقان ويقدم حديثهم احتجاجا، ثم يخرج حديث أهل الطبقة الثانية من أهل العدالة والصدق استشهادا، وربما وقع في أحاديثهم اختلاف فيورده، لبيان ما فيه من اختلاف في لفظه، لا أنه يحتج بكل ما يرويه أو يصححه لهم من الألفاظ.

وسهيل من أهل هذه الطبقة وقد ذكر مسلم حديثه في آخر الباب بعد حديث أنس وعائشة في رد السلام على أهل الكتاب، كما ذكر اختلاف الرواة عليه في هذا اللفظ، وقد اعتذر الحاكم عن مسلم بأنه أكثر من تخريج حديث سهيل في الشواهد لا في الأصول، مع أن أصل هذا الحديث ثابت من حديث أبي بصرة الغفاري وله شاهد من حديث أبي عبد الرحمن الجهني وابن عمر فلا يضر مسلم إذا أخرجه في صحيحه في المتابعات والشواهد وذكر الخلاف في لفظه.

وقد قال مسلم (ثم إنا إن شاء الله مبتدئون في تخريج ما سألت وتأليفه على شريطة سوف أذكرها لك وهو إنا نعمد إلى جملة ما أسند من الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فنقسمها على ثلاثة أقسام وثلاث طبقات من الناس ... فأما القسم الأول فإنا نتوخى أن نقدم الأخبار التي هي أسلم من العيوب من غيرها وأنقى، من أن يكون ناقلوها أهل استقامة في الحديث، وإتقان لما نقلوا، لم يوجد في روايتهم اختلاف شديد، ولا تخليط فاحش، كما قد عثر فيه على كثير من المحدثين وبان ذلك في حديثهم، فإذا نحن تقصينا أخبار هذا الصنف من الناس أتبعناها أخبارا يقع في أسانيدها بعض من ليس بالموصوف بالحفظ والإتقان كالصنف المقدم قبلهم، على أنهم وإن كانوا فيما وصفنا دونهم فإن اسم الستر والصدق وتعاطى العلم يشملهم، كعطاء بن السائب ويزيد بن أبى زياد وليث بن أبى سليم وأضرابهم من حمال الآثار ونقال الأخبار، فهم وإن كانوا بما وصفنا من العلم

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015