وقد ذكره ابن الجوزي في الموضوعات. ([47])
فهذان الحديثان مما أنكرا على سهيل مع إن ابن عدي لم يتكلم عليهما بشيء إلا بقوله (هذا يعرف بسهيل) أي لم يخطأ عليه من رواه عنه بل هو حديثه ثابت عنه معروف به.
وهذا الحديث (لا تبدؤوا المشركين بالسلام) مما أورده ابن عدي في كامله في ترجمة سهيل حيث لم يروه بهذا اللفظ أحد إلا سهيل، ولم يتابعه أحد لا عن أبيه، ولا من حديث أبي هريرة، ولا شاهد له ـ بهذا المعنى ـ عن غير أبي هريرة، وهي نكارة تستوجب التثبت منه، خاصة أنه يعارض نصوصا أخرى أصح منه إسنادا ومعنى!
وليس بالضرورة أن يكون كل حديث غريب أو فيه نكارة ـ حتى مما يورده ابن عدي في كامله للمترجم له ـ ضعيفا، إذ قد تزول النكارة برجوع الحديث إلى أصل يبينه ويزيل عنه الإشكال.
فالنكارة تطلق كثيرا ويراد بها التفرد في حد ذاته بقطع النظر عن القبول أو الرد كما قال اللكنوي (كثيرا ما يطلقون النكارة على مجرد التفرد). ([48])
ثم قد تحتمل من الثقة الحافظ وربما ترد أما من دونه فالغالب عند الأئمة التوقف أو الرد حتى تزول النكارة بوجود المتابعات فإذا ردت فالحديث منكر.
فالنكارة في حد ذاتها لا تقتضي الرد كما قال النووي (فإنهم قد يطلقون المنكر على انفراد الثقة بحديث وهذا ليس بمنكر مردود إذا كان الثقة ضابطا متقنا). ([49])
وقال ابن الصلاح (وإطلاق الحكم على التفرد بالرد أو النكارة أو الشذوذ موجود في كلام كثير من أهل الحديث) وقد قال شارحه العراقي (فينظر في هذا الراوي المنفرد: فإن كان عدلا حافظا موثوقا بإتقانه وضبطه قبل ما انفرد به ولم يقدح الانفراد فيه كما فيما سبق من الأمثلة. وإن لم يكن ممن يوثق بحفظه وإتقانه لذلك الذي انفرد به كان انفراده خارما له مزحزحا له عن حيز الصحيح. ثم هو بعد ذلك دائر بين مراتب متفاوتة بحسب الحال فيه فإن كان المنفرد به غير بعيد من درجة الحافظ الضابط المقبول تفرده استحسنا حديثه ذلك ولم نحطه إلى قبيل الحديث الضعيف، وإن كان بعيدا من ذلك رددنا ما انفرد به وكان من قبيل الشاذ المنكر). ([50])
وإنما ترتفع النكارة بالمتابعات والشواهد كما قال ابن رجب (النكارة لا تزول عند يحيى القطان والإمام أحمد والبرديجي وغيرهم من المتقدمين إلا بالمتابعة وكذلك الشذوذ كما حكاه الحاكم) وعرف النكارة فقال (لم أقف لأحد من المتقدمين على حد المنكر من الحديث وتعريفه، إلا على ما ذكره أبو بكر البرديجي الحافظ، وكان من أعيان الحفاظ المبرزين في العلل: (أن المنكر هو الذي يحدث به الرجل على الصحابة أو عن التابعين عن الصحابة لا يعرف ذلك الحديث، وهو متن الحديث إلا من طريق الذي رواه فيكون منكراً) ذكر هذا الكلام في سياق ما إذا انفرد شعبة، أو سعيد بن أبي عروبة، أو هشام الدستوائي بحديث عن قتادة عن أنس عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهذا كالتصريح بأنه كل ما ينفرد به ثقة عن ثقة، ولا يعرف المتن من غير ذلك الطريق فهو منكر كما قاله الإمام أحمد في حديث عبدالله بن دينار عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في النهي، عن بيع الولاء و هبته) ... وهذا الكلام يدل على أن النكارة عند يحيى القطان لا تزول إلا بمعرفة الحديث من وجه آخر وكلام أحمد قريب من ذلك ... قال البرديجي بعد ذلك: (فأما أحاديث قتادة الذي يرويها الشيوخ مثل حماد بن سلمة، وهمام، وأبان، والأوزاعي، ينظر في الحديث، فإن كان الحديث يحفظ من غير طريقهم عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أو عن أنس بن مالك من وجه آخر لم يدفع، وإن كان لا يعرف عن أحد عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولا من طريق عن أنس إلا من رواية هذا الذي ذكرت لك، كان منكراً) انتهى كلام ابن رجب. ([51])
¥