وقد سئل الدارقطني: لم ترك البخاري سهيلا في الصحيح؟ فقال: (لا أعرف له فيه عذرا، فقد كان النسائي إذا حدث بحديث لسهيل، قال: سهيل والله خير من أبي اليمان، ويحيى بن بكير وغيرهما، وكتاب البخاري من هؤلاء ملآن، ترك البخاري سهيل بن أبي صالح في كتابه، وأخرج عن ابن بكير وفليح بن سليمان، لا أعرف له وجها ولا أعرف فيه عذرا. قال الحاكم: روى له مسلم كثيرا، وأكثرها في الشواهد). ([34])
وهذا الدارقطني الذي ينكر على البخاري ترك حديث سهيل يقرر اضطراب سهيل في بعض حديثه (فيشبه أن يكون سهيل حدث به مرة هكذا فحفظه عنه من حفظه كذلك لأنهم حفاظ ثقات ثم رجع سهيل إلى إرساله). ([35])
وكذا حكم عليه في الوهم في حديث آخر. ([36])
وقال في حديث آخر (ويشبه أن يكون سهيل كان يضطرب فيه). ([37])
وانظر قوله (يضطرب فيه) ومع ذلك صححه ابن حبان وحسنه الترمذي إذ ليس كل اضطراب يلزم منه الرد.
وكذا قال الدارقطني في حديث اختلف فيه على الثوري (والثوري رحمه الله كان يضطرب فيه ولم يثبت إسناده) ([38])، وقال عن حديث اختلف على سفيان بن عيينة في روايته (ابن عيينة يضطرب في هذا الحديث). ([39])
مع أن ترجيح بعض الروايات عنهم ممكن إلا أنه لم يرجح لكونه ثبت عنده أن سبب الاختلاف هو الراوي لا الرواة عنه، وإن كان بعضهم أحفظ من بعض، إذ المراد من قول الدارقطني وغيره من الأئمة في راو من الرواة (يضطرب في حديثه) تحميله المسئولية في الاختلاف عليه ودفع الوهم عمن رواه عنه، وبيان أن كل الروايات محفوظة عنه، ولا يصح ترجيح بعضها ـ حتى وإن كان بعض الرواة أقوى من بعض ـ ما دام قد صحت كل الروايات عنه، وترجح أن الاختلاف عليه منه هو لا منهم هم.
تفرد سهيل بهذا الحديث:
وقد أورد ابن عدي هذا الحديث في ترجمة سهيل في كتابه الكامل في الضعفاء ([40])، وإنما يذكر في كامله عادة مناكير الراوي وغرائب حديثه التي يتفرد بها، وقد ذكر ابن عدي نفسه شرطه في مقدمة كتابه وأنه (ذاكر لكل رجل منهم مما رواه ما يضعف من أجله، أو يلحقه بروايته له اسم الضعف لحاجة الناس إليها، لأقربه على الناظر فيه). ([41])
فهو إنما يورد في ترجمة الراوي عادة الأحاديث التي ضعف من أجلها أو يلحقه بروايته لها اسم الضعف، وليس بالضرورة أن ينص في كل حديث بأنه منكر أو ضعيف وهذا ما فهمه من صنيعه العلماء من بعده قال ابن حجر (وقال ابن عدي في الكامل ومن عادته فيه أن يخرج الأحاديث التي أنكرت على الثقة فقال فيه بعد أن ذكر كلامهم في عكرمة ولم أخرج هنا من حديثه شيئا لأن الثقات إذا رووا عنه فهو مستقيم ولم يمتنع الأئمة وأصحاب الصحاح من تخريج حديثه وهو أشهر من أن أحتاج إلى أن أخرج له شيئا من حديثه). ([42])
وقال الزركشي في النكت (وكتاب الحافظ أبي أحمد بن عدي أصل نافع في معرفة المنكرات من الأحاديث). ([43])
وقد أورد ابن عدي أحاديث عدة لسهيل ونص فقط على حديث واحد منها بأنه خطأ وهو حديث سهيل عن أبيه عن أبي هريرة (لا تسافر المرأة ثلاثة أيام إلا مع ذي محرم) وقال ابن عدي عنه (إنما هو حديث أبي صالح عن أبي سعيد) وهذا الحديث هو أمثلها وأحسنها حالا بينما الأحاديث التي لم يتكلم عليها ابن عدي مما أوردها في ترجمة سهيل فيها ما هو معدود من الموضوعات فضلا عن المنكرات! وإنما نص على الخطأ في حديث (لا تسافر المرأة) لأنه تبين فيه وجه الوهم والخطأ، أما المناكير والغرائب في حديث الثقة والصدوق فلم يوقف فيها على وجه الخطأ والوهم ليتم النص عليه، إلا مجرد التفرد الذي يستنكره أئمة الحديث على الراوي وإن كان ثقة.
والدليل على ذلك أن ابن عدي أورد في ترجمة سهيل عن أبيه عن أبي هريرة (من قتل وزغا في أول ضربة كان له من الأجر .. ) ولم يتكلم عليه بشيء ثم أورد حديثه (فرخ الزنا لا يدخل الجنة) وقال (وهذا أيضا يعرف بسهيل)، والحديث الأول وهو (من قتل وزغا) في صحيح مسلم ([44])!
وقد قال الذهبي (ومن غرائب سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة حديث (من قتل وزغا في أول ضربة) وحديث (فرخ الزنى لا يدخل الجنة)). ([45])
وهذا ما فهمه ابن طاهر المقدسي في ذخيرة الحفاظ الذي رتب فيه أحاديث الكامل على حروف المعجم حيث قال (حديث: فرخ الزنا لا يد خل الجنة. رواه سهيل: عن أبيه، عن أبي هريرة. وهذا يعرف بسهيل، وهو أحد ما أنكر عليه). ([46])
¥