فالخلاف على سهيل في لفظه قديم كما هو ظاهر، ولا شك أن الاختلاف بين هذه الروايات اختلاف تغاير لا اختلاف تنوع فإن لفظ (المشركين) أعم من لفظ (أهل الكتاب) أو (اليهود والنصارى)، وهذه أعم من لفظ (اليهود)، والروايات المضمرة تحتمل المعهودين للمخاطبين، فلا عموم فيها، بينما الروايات المصرحة تفيد العموم، ولا يمكن الجمع بين هذه العبارات، ولا الترجيح بين هذه الروايات، إذ الرواة عن سهيل أئمة حفاظ أثبات!
وإذا كان لا بد من الترجيح فأقوى الروايات هي رواية (المشركين)، ورواية (اليهود والنصارى)،
والاختلاف بينهما هو اختلاف تباين كما بين العام والخاص، (وفي ذلك مغايرة في الصفة ونوع من المخالفة يختلف به الحكم) كما قال ابن الصلاح في زيادة الثقة. ([25])
فكيف إذا كان الخلاف بين الجماعة أنفسهم من الحفاظ الأثبات فالأمر أشد، إذ سببه الراوي نفسه لا الرواة عنه، وهذا اختلاف واضطراب منه يوجب التثبت في روايته وإن لم يقتض بالضرورة ردها، كما قال الحافظ ابن حجر: (الاختلاف عند النقاد لا يضر إذا قامت القرائن على ترجيح إحدى الروايات أو أمكن الجمع على قواعدهم). ([26]) وقال أيضا (فالتعليل بجميع ذلك من أجل مجرد الاختلاف غير قادح إذ لا يلزم من مجرد الاختلاف اضطراب يوجب الضعف). ([27])
إذ من الاضطراب ما لا يوجب الضعف، ولا يمكن الجمع هنا بين الروايات عن سهيل بحمل العام على الخاص، إذ هو حديث واحد عنه عن أبيه، ومداره عليه، والمقصود معرفة لفظ الشارع، لا اجتهاد الراوي وفهمه، فإما أنه حفظه عن أبيه بلفظ (المشركين)، أو بلفظ (اليهود والنصارى)، فإذا لم يتأتى معرفة ذلك ـ لكون الرواة عنه حفاظ أثبات، ورواياتهم عنه كلها محفوظة، وقد رووا عنه كلا اللفظين، وهو ما يؤكد اضطراب سهيل فيه ـ وجب التوقف فيه، حتى يتم الكشف عن وجه الحديث برده إلى الشواهد والأصول الأخرى، فإذا تم ترجيح إحدى الروايات عنه بشواهده، لم يكن ذلك من باب ترجيح المحفوظ على الشاذ، إذ ترجيح إحدى الروايات عنه حينئذ ليس بالنظر إلى الرواة عنه من خلال تقديم رواية الأحفظ منهم أو الأكثر عددا لتكون هي المحفوظة والأخرى شاذة، وإنما سيكون بقرائن خارجية لا تعلق لها بحديث سهيل نفسه، وهي وإن كشفت عن وجه الخلل في روايته، فإنها لا تدفع عنه وقوع الاضطراب منه بسبب نسيانه لحديثه وعدم حفظه له، ومن ثم تكون الرواية المردودة رواية منكرة بسبب تفرد سهيل بها، لا شاذة خالف فيها بعض من رواها عن سهيل من ثقات أصحابه من هو أولى منه!
كلام الأئمة في سهيل:
وسهيل مع عدالته وصدقه قد تكلموا في ضبطه حتى قال عنه أبو حاتم (يكتب حديثه ولا يحتج به) ([28])، وكذا قال ابن معين فيه (لا يحتج به). ([29])
وهذا الجرح فسره الأئمة وهو أنه أصابته علة فنسي حديثه وتغير حفظه، فما زال أهل الحديث يتقون حديثه لذلك، كما جاء في الميزان (قال ابن المدينى: مات أخ لسهيل فوجد عليه فنسى كثيرا من الحديث. وقال ابن أبى خيثمة: سمعت ابن معين يقول: لم يزل أصحاب الحديث يتقون حديثه. وقال مرة: ضعيف. وسئل مرة فقال: ليس بذاك. وقال غيره: إنما أخذ عنه مالك قبل التغير). ([30])
ولهذا تجنبه البخاري ولم يحتج به أصلا، ولم يخرج له شيئا سوى ثلاثة أحاديث أحدهما مقرونا بغيره، وآخرين في المتابعات، قال الحافظ ابن حجر في مقدمة الفتح (سهيل بن أبي صالح السمان أحد الأئمة المشهورين المكثرين، وثقه النسائي والدارقطني وغيرهما، وقال أبو حاتم يكتب حديثه ولا يحتج به، وقال ابن معين صويلح، وقال البخاري كان له أخ فمات فوجد عليه فساء حفظه، قلت له في البخاري حديث واحد في الجهاد مقرون بيحيى بن سعيد الأنصاري كلاهما عن النعمان بن أبي عياش عن أبي سعيد وذكر له حديثين آخرين متابعة في الدعوات). ([31])
وقد أجمل فيه القول الحافظ ابن حجر فقال عنه (صدوق تغير حفظه بأخرة) ([32])، وقد تجنب النسائي تخريج حديثه هذا مع احتجاجه بسهيل، ولم يبوب البخاري في صحيحه ترجمة في النهي عن ابتداء المشركين أو أهل الكتاب بالسلام، وكأنه لم يصح عنده فيها شيء على شرطه!
وقد أنكر الدارقطني على البخاري تركه تخريج حديث سهيل في صحيحه مع شهرة نسخته وعدالته وتخريجه لمن هم مثله أو دونه. ([33])
¥