وليس منها إسناد سالم من النقد، وليس فيها ما تقوم به الحجة لما فيها من العلل إما ضعف في رواتها أو عنعنة في أسانيدها. بينما رواية مجالد محفوظة عنه رواها عنه ستة من الثقات الأثبات؟!!

وأما باقي الروايات التي أخرجها الطبراني فأكثرها عن الضعفاء والمتروكين وأكثرها مروي بالعنعنة وقد ذكر ابن رجب [175] ( http://www.dr-hakem.com/controlpanel/******s/blank.gif#_ftn175) أن معاجمه مجمع للغرائب والمناكير، لأنه كلما تأخر العهد طالت الأسانيد، وكثرت الأوهام والتدليسات، وأولع الرواة بالغريب، وقد قال أحمد: (إذا سمعت أصحاب الحديث يقولون: هذا الحديث غريب أو فائدة فاعلم أنه خطأ، أو دخل حديث في حديث، أو خطأ من المحدث، أو ليس له إسناد قائم، وإن كان قد روى شعبة أو سفيان) [176] ( http://www.dr-hakem.com/controlpanel/******s/blank.gif#_ftn176) فإذا كان هذا هو الحال في عصر أحمد فكيف هو بعد ذلك خاصة في حديث أهل العراق وقد قال الحازمي بعد ذكر التدليس: (وكان جماعة من ثقات الكوفيين والبصريين مولعين به ممن حديثه مخرج في الصحاح). [177] ( http://www.dr-hakem.com/controlpanel/******s/blank.gif#_ftn177)

ولا أدل على ذلك من حديث الشعبي هذا حيث تكاثرت طرقه على النحو التالي:-

1 - رواه الحميدي المكي (ت219هـ) في مسنده عن سفيان بن عيينة عن مجالد.

2 - ورواه ابن أبي شيبة الكوفي (ت235هـ) عن حماد بن أسامة عن مجالد وعن علي بن مسهر عن مجالد.

3 - ورواه أحمد بن حنبل البغدادي (ت241هـ) عن يحيى القطان عن مجالد ومن طريق حماد عن داود بن أبي هند.

4 - ورواه مسلم (ت261هـ) من طريق ابن بريدة وأبي الزناد وسيار وغيلان.

5 - ورواه الطبراني (ت360هـ) في المعجم من طريق عشرين راو عن الشعبي؟!!

أي أن عدد الرواة تضاعف عشر مرات في مدة مائة سنة ما بين وفاة أحمد وتأليف الطبراني لمعجمه؟!

والغريب أن تكون أضعف الروايات هي أشهرها على الإطلاق فيرويها عن مجالد الكوفي أربعة من حفاظ وثقات الكوفة وهم إسماعيل بن أبي خالد، وحماد بن أسامة، وزيد بن أبي أونيسة، وعلي بن مسهر، وحافظ البصرة يحيى بن سعيد القطان، وحافظ الحجاز سفيان بن عيينة، ولا يجد ابن أبي شيبة وهو إمام أهل الكوفة رواية أصح منها يودعها في مصنفه.

بينما أصح الروايات التي احتج بها مسلم وقدمها على غيرها لا يرويها إلا ابن بريدة ولا عنه إلا حسين ولا عنه إلا عبد الوارث ولا عنه إلا ابنه عبد الصمد؟ ‍‍!

وما كان يحيى القطان ليروي عن مجالد مثل هذا الحديث وهو يجده عن غيره من الثقات، وما كان إسماعيل ليرويه عنه ـ وهو أعلم الناس بحديث الشعبي و أرواهم له ـ لو وجده عند أحد من أصحابه الثقات.

كل ذلك يؤكد شهرة حديث مجالد، وأنه محفوظ عنه، ومعروف به، والحديث حديثه، وعنه رواه الناس، وإن دلسه من دلسه فرواه عنه يحيى في البصرة، وحدث به سفيان في مكة، وحدث به حماد بن أسامة، وإسماعيل بن أبي خالد، وعلي بن مسهر في الكوفة، وحدث به زيد بن أبي أنيسة في الرها، ولا يوجد قط حديث يرويه ثقة وضعيف ثم يشتهر عن الضعيف دون الثقة، ومن عرف حال علماء الحديث، وشدة عنايتهم في تتبع أحاديث الثقات وجمعها وحفظها والتحديث بها والرحلة من أجل سماعها علم يقيناً أنه ما كان حديث مجالد هذا ليشتهر كل هذه الشهرة وهو عند غيره من الثقات، وقد كان مجالد حياً في عصر التدوين إذ توفي سنة 144هـ. [178] ( http://www.dr-hakem.com/controlpanel/******s/blank.gif#_ftn178)

وعلى كل فليس في كل أسانيد هذا الحديث إسناد واحد سالم من النقد، وكان بالإمكان أن يقوي بعضها بعضاً لولا أن الحديث مشهور عن مجالد، وغريب عن غيره، ولم تسلم هذه الغرائب من عنعنات المدلسين، فلا سبيل لأن يقوي بعضها بعضاً ما دامت تعود إلى مجالد، إذ أن جميع الرواة عن الشعبي هم من طبقة مجالد فلا يبعد ـ على فرض صحة الطرق إليهم ـ أنهم بلغهم عن مجالد أو سمعوه منه كما سمعه إسماعيل بن خالد فأخذوا يروونه عن الشعبي وأسقطوا اسم مجالد من الإسناد، فعادت كلها إلى طريق واحد، وقد قال العلائي: (بعض المراسيل رويت من وجوه متعددة مرسلة والتابعون متباينون فيظن أن مخارجها مختلفة وأن كلاً منها يعتضد بالآخر ثم عند التفتيش يكون مخرجها واحداً ويرجع كلها إلى مرسل واحد). [179]

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015