وهذا يدل على حفظه لصحيح البخاري من ضمن محفوظاته العديدة.
الفصل الثالث:
ضبط ومقابلة ونسخ الحنابلة للصحيحين:
لم تقتصر خدمة الحنابلة للصحيحين عند ما سبق ذكره بل تعدى ذلك إلى القيام بضبط ومقابلة ونسخ للصحيحين، حتى غدت النسخة اليونينية هي أهم النسخة المعتمدة لصحيح البخاري كما سيأتي بيانه، وهذا سبق خطير وفوز كبير يُسجل للحنابلة في هذا الميدان، وفيما يلي ما وقفت عليه للحنابلة من ذلك:
1 - الفقيه المحدث الزاهد شرف الدين أبو الحسين علي بن محمد اليونيني البعلي، المتوفى سنة إحدى وسبعمائة، واستنسخ صحيح البخاري واعتنى بأمره كثيراً، وقابله في سنة واحدة، وأسمعه إحدى عشر مرة ([114]).
وقد ضبط رواية البخاري وقابل أصله بأصول مسموعة، ولم يقصد اليونيني أن يرجع بهذه المقابلة ما هو ثابت في الأصول، ويخرج منها صورة مختارة - في نظره - لصحيح البخاري، وإنما قصد أن يجمع تلك الروايات كلها في صعيد واحد، تيسيراً لمن يريد الانتفاع بها من العلماء، وإغناء له عن التنقيب عليها في مختلف المظان.
وقد استعان بالرموز في الإشارة إلى اختلاف النسخ، حيث اختار من بعض حروف الهجاء علامات يضعها على مواطن الخلاف، وبذلك ضبط رواياتهم مجتمعة بأخصر طريق، وحرر ألفاظ الكتاب على نحو ما هو ثابت عند أصحاب الأصول الأربعة التي قابل عليها أصله.
والنص المطبوع الآن هو نسخة اليونيني هذه، مع مقارنة ببعض النسخ، وقد أرسل هذه الأصل إلى السلطان عبد الحميد لينشر في مصر، وقد طبع في مطبقة بولاق سنة 1311ه ([115]).
2 - شمس الدين أبو عبد اللّه محمد بن عبد الرحمن بن شامة بن كوكب بن العز الطائي، السنتبسي السوادي الحكمي المحدث الحافظ، الزاهد العابد، توفي سنة ثمان وسبعمائة، نسخ الصحيحين بخطه، وقابلهما وقرأهما، وبيعا في تركته بألف درهم رغبة فيه، وفي تصحيحه، واعتقاداً في فضيلته وديانته ([116]).
3 - بهاء الدين محمود بن محمد بن عبد الرحيم بن عبد الوهاب السلمي المجوّد المعروف بابن خطيب بعلبك، توفي سنة خمس وثلاثين وسبعمائة، وعني بالخط فجوده إلى الغاية، رأى الصفدي مجلداً من صحيح البخاري من نسخه فقال: هو نسخ عجيب إلى الغاية"، وقال ابن حجر: "رأيت بخطه نسخة كاملة في ثلاث مجلدات ... وقابلها المزي بقراءة ابن كثير وهي أعجوبة في الحسن والصحة" ([117]).
4 - الحافظ الإمام العلامة زين الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن أحمد، المعروف بابن رجب الحنبلي، المتوفى سنة خمس وتسعين وسبعمائة رحمه الله تعالى ([118])، فقد قرأ الحافظ أبو الفضل العراقي صحيح مسلم على شيخه محمد بن إسماعيل بن الخباز بدمشق في ستة مجالس متوالية، وذلك بحضور الحافظ زين الدين ابن رجب وهو معارض بنسخته ([119]).
الفصل الرابع:
ثناء الحنابلة على الصحيحين:
إن ثناء ومدح الحنابلة للصحيحين أمر يصعب حصره وتعداده، وحسبي هنا أن أمثّل له ببعض النماذج التي تدل للغرض من المنزلة العالية التي بلغها الكتابان عند علماء الحنابلة، ومن ذلك:
1 - ابتدأ برأس المذهب الحنبلي الإمام المبجل أحمد بن محمد بن حنبل، حيث يقول ابنه عبد الله: قلت لأبي: يا أبت من الحفاظ؟ قال: يا بني شباب كانوا عندنا من أهل خراسان وقد تفرقوا. قلت: من هم يا أبت؟ قال: محمد بن إسماعيل ذاك البخاري، وعبيد الله بن عبد الكريم ذاك الرازي، وعبد الله بن عبد الرحمن ذاك السمرقندي، والحسن بن شجاع ذاك البلخي ([120]).
2 - قال أبو عبدالله بن منده الحافظ ([121]): الذين أخرجوا وميزوا الثابت من المعلول، والخطأ من الصواب أربعة: البخاري ومسلم، وبعد هما أبو داود السجستاني، وأبو عبد الرحمن النسائي ([122]).
3 - وعن قول البخاري في الصحيح: "قال لي فلان"، يقول شيخ الإسلام الأنصاريّ ([123]): عندي أن ذاك الرجل ذاكر البخاري في المذاكرة: أنه سمع من فلاَن حديث كذا، وكتاب كذا، أو مسند كذا، أو حديث فلان، فيرويه بين المسموعات وهو طريق حسن طريق مليح. ولا أحد أفضل من البخاري ([124]).
¥