قال الدكتور في بيانه: تقْسيم الكتاب قِسمين أساسين: الأصول والفرش، أمَّا الأصول فضمَّنوه مسائل القراءات التي عليْها مدار القِراءات؛ كالهمز والإدْغام والإمالة وأضدادها، وجعلوه أبوابًا، وأمَّا الفرْش وهو ما قلَّ دوْرُه من الحروف المختلَف فيها، وأغلبه لا يندرج في أبْواب الأصول، فجعلوه بابًا واحدًا وقسَّموه على سور القرآن الكريم.

أقول: الذي يُفْهَم من هذا الكلام أنَّ الكتب المصنَّفة على هذا النَّحو قد تمَّ تقْسيمها قِسْمَين، الأوَّل منهما هو قسم الأصول، يبتدئُ فيه المصنِّفون بعد ذكر الأسانيد مباشرة، وبعد الانتهاء منه يبدؤون في فرش الحروف.

ثمَّ قال: وأوَّل مَن وضع هذا المنهج: علي بن عمر الدارقطني (ت 385 هـ).

أقول: نعم قد نُقل عن كتابِ الإمام الدارقطني في القراءات أنَّه جُمِعَتْ فيه الأُصُول في أبواب عقدها في أوله.

قال الخطيب البغدادي في ترجمته: "انتهى إليه علْمُ الأثر والمعرفة بعِلَل الحديث وأسماء الرِّجال وأحْوال الرواة، مع الصِّدْق والأمانة والفقْه والعدالة، وقبول الشَّهادة وصحَّة الاعتِقاد وسلامة المذْهب، والاضطِلاع بعلومٍ سِوى علْم الحديث، منها: القراءات؛ فإنَّ له فيها كتابًا مُختصرًا موجزًا، جَمع الأصولَ في أبْوابٍ عقَدَها أوَّل الكتاب، وسمعتُ بعضَ مَن يعتني بعلوم القرآن يقول: لَم يُسْبَق أبو الحسن إلى طريقتِه التي سلكَها في عقْد الأبواب في أوَّل القِراءات، وصار القرَّاء بعدَه يسلُكون طريقتَه في تصانيفِهم ويَحْذون حذْوه".

ولا أعرف شيئًا الآن عن كتاب الإمام الدارقطني في القراءات، وليس هو من مصادر الإمام ابن الجزري في كتاب "النشر"، بل إنَّ الإمام ابنَ الجزري حين اختار طريقًا للدارقطني في رواية قالون من طريق أبي نشيط، لم يسندها إلى كتابه، بل أخذها طريقًا أدائيَّة.

ثم يقول الدكتور الدوسري: "وتابَعه على ذلك أكثر المؤلِّفين".

أقول: يعني بأكثر المؤلّفين عددًا كبيرًا من المصنِّفين، قدَّموا قِسْم الأصول في أوَّل الكتاب ثمَّ أعْقبوه بقِسْم الفرْش مرتَّبًا على السُّور.

ويدخل في هؤلاء المصنّفين المعنيّين - بحسب ما يُفْهم من إطلاق الدكتور الدَّوسري -: الإمام مكّيّ في "التَّبصِرة" ت 437 هـ، والإمام الدَّاني في "التيسير" ت 444 هـ، وابن سوار في "المستنير" ت 496 هـ، والشَّاطبي في "الحِرْز" ت 590 هـ، وابن عبد المؤمن في "الكنز" ت 740 هـ، وغير هؤلاء كثير.

وقد رأيت الدكتور حاتم الضامن في تحقيقه القيّم لكتاب "التيسير" للدَّاني، يقول قريبًا من هذا الكلام عن منهج الداني في "التيسير"؛ قال:

"وبعد هذا جاء باب ذكر الأسانيد التي أوصلت القراءة إلى المؤلف، ثم ذكر أبواب الأصول التي تتناول الأحكام العامة، وهي:

الاستعاذة، التسمية، الإدغام الكبير لأبي عمرو، هاء الكناية، ... ، .... ، .... ، وبعد الانتهاء من ذكر هذه الأصول يأتي (باب فرش الحروف) ثم ينتهي الكتاب بـ (ذكر التكبير في قراءة ابن كثير) ".

فتأكَّد لديَّ أنَّ هذا الكلام يتداوله الدَّارسون والباحثون.

لكنَّ هذا الكلام - عند التَّحقيق - ليس دقيقًا؛ فليس كتاب التبصرة، ثم التيسير، ثم الشَّاطبيَّة ممَّا ينطبق عليه هذا الكلام بالضَّبط، وكذلك ما كان موافقًا لهم في التَّرتيب.

إنَّما ينطبق هذا الكلام على كتاب ابن سوار "المستنير"، وكتاب ابن عبد المؤمن "الكنز"، وما أشبههما.

وبيان ذلك أنَّ كتاب التَّبصرة - وما تبعه - لم يُذكَر فيه أنَّه يبدأ بالأصول إلى أن ينتهي منها فيأخذ في فرش الحروف، بل أخذ في ذِكْر الاستعاذة، ثمَّ البسملة، ثمَّ اختلافهم في فاتِحة الكتاب أو سورة أمّ القرآن.

وليس في هذا الصَّنيع ما يوصَف أنَّهم بدؤوا بالأصول على التَّحقيق، وإلاَّ لَما ذكروا الاختلاف في (مالك يوم الدين) وفي كلِمة "سراط" و "السّراط"، فهذا من الفرش دون أدنى شكّ.

وزاد الإمام مكّيّ بيانًا للمنهج الَّذي يسير عليه، فقال بعد أن بدأ في سورة البقرة:

"اعلم أيُّها الناظر في هذا الكتاب أنَّ هذه السّورة - سورة البقرة - يتوالى فيها أحرُف وأصول كثُر دورُها؛ مثل هاء الكناية عن المذكر، والمد والقصر، واجتماع الهمزتين، والهمز وحكم الوقوف عليه وتسهيله، والوقف على هاء التأنيث، والروم .... ، ..... ، ..... ، وما شابه ذلك،

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015