وأنا - بعون الله - أذكر لك كلَّ أصل من هذا مفردًا، وأبيِّنه بحسب المقدرة، ثم نتبع ذلك الأحرفَ التي قلَّ دوْرُها سورةً سورة .... ".

فهذا بيان شافٍ من الإمام مكّي بالمنهج الَّذي ترسَّمه في عرض أوجُه الخلاف.

وعلى هذا المنهج سار كتاب التيسير في القراءات السبع لأبي عمرو الداني، وكذلك النظم المشهور "حرز الأماني".

فبعد الكلام على الاستعاذة والبسملة يلقانا الكلام على أوجه الخلاف في "سورة أم القرآن" فيقول:

وَمَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ رَاوِيهِ نَاصِرٌ * * * وَعِنْدَ سِرَاطٍ وَالسِّرَاطِ لِ قُنْبُلا

بِحَيْثُ أَتَى وَالصَّادَ زَايًا أَشِمَّهَا * * * لَدَى خَلَفٍ وَاضْمُمْ لِخَلادِ الاوَّلا

عَلَيْهِمْ إِلَيْهِمْ حَمْزَةٌ وَلَدَيْهِمُو * * * جَمِيعًا بِضَمِّ الهَاءِ وَقْفًا وَمَوْصِلا

وبعد أن يَستكمل الكلام على ميمِ الجمع وأيضًا الهاء قبلها، انطلاقًا من ورود ذلك في سورة أم القرآن، وهو: "أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم"، يبدأ في "باب الإدغام الكبير".

أنا أظنُّ أنهم لو لَم ينظروا إلى ورود حرفٍ من الإدغام الكبير في أوَّل سورة البقرة؛ وهو: "فيه هُدًى" لَما بدؤُوا بباب الإدْغام الكبير، ولبدؤوا مثلا بـ "المدّ والقصر".

بل أخَّروا هذا الباب - المدّ والقصر - أيضًا من أجل الكلام على "هاء الكناية" لورود كلمة "فيه" في أوَّل سورة البقرة.

وعلى هذا الترتيب كثيرٌ من كتُب القِراءات، وهو ليس منطبقًا تماما على ما ذكره الدكتور الدوسري في النوع الثاني، ولا على ما ذكره الدكتور حاتم الضامن بخصوص كتاب "التيسير"، والله أعلم.

أمَّا المصنّفون الذين انتهجوا منهجًا يتطابق مع كلام الدّكتور الدوسري، فمنهم: أبو طاهر بن سوار في كتاب "المستنير"، وابن عبد المؤمن في كتاب "الكنز".

قال الإمام أبو طاهر بعد ذكر أسانيده إلى الأئمة العشرة: "فهذا جميع ما أذكره في هذا الكتاب عن الأئمة العشرة - رحمة الله عليهم، فلنذكر الآن الأصول في الإدغام والإظهار وغير ذلك، واختلافهم فيه على ما قرأته عنهم، والله عوني ...... ".

ثم أخذ في ذكر إدغام أبي عمرو الموسوم بالإدغام الكبير.

ثمَّ فصل في المتقاربَين، ثمَّ باب في النُّون والتَّنوين، وهكذا إلى أن ينتهي من الأصول.

ثمَّ فاتِحة الكتاب وفيها الكلام على الاستِعاذة والتَّسمية.

ثمَّ سورة البقرة، وهكذا .....

وقال الإمام ابن عبد المؤمن في "الكنز" بعد خطبة الكتاب:

"وأتوخَّى الإيجاز الَّذي لا يُخلّ، وأتعمَّد الإيضاح الَّذي لا يملّ، وأجعله ثلاثة أقْسام:

الأول: في المقدّمة؛ إذ بها يعرف ما يُذكَر بعد ويقرَّر.

الثاني: في الأصول الَّتي يكثُر دَورُها ويتكرَّر.

الثالث: في فرْش الحروف المبثوثة على ترْتيب السُّوَر".

وجعل القسم الأول في ثلاثة أبواب؛

الأول في أسماء الأئمَّة وبلادهم ورواتِهم وأسانيدهم.

الثَّاني في قواعد الكتاب.

الثالث في مخارج الحروف وصفاتها.

ثمَّ القِسْم الثَّاني في الأصول؛ وهي عشَرة:

الأصل الأول: في الإدغام والإظهار.

الأصل الثاني: في هاء الكناية.

الأصل الثالث: في الهمز.

الأصل الرابع: في المدّ والقصْر، والوقْف على السَّاكن.

الأصل الخامِس: في الإمالة.

الأصل السادس: في ترْقيق الرَّاءات وتفْخيمِها.

الأصل السَّابع: في تغليظ اللامات وترقيقها.

الأصل الثامن: في الوقف، وفيه أربعة أبواب.

الأصل التاسع: في الياءات.

الأصل العاشر: في الاستعاذة، والبسملة، والتكبير، والتهليل.

ثم القسم الثالث في فرش الحروف، أوله سورة الحمد.

وأظن هذا الكتاب "كتاب الكنز" من أحسن كتب القراءات ترتيبًا، وهو يصدق عليه ما ذكره الدكتور الدوسري في النَّوع الثاني.

وخلاصة هذا البحث أنَّ النَّوع الثَّاني الذي ذكره الدّكتور الدَّوسري - تقْسيم الكتاب قِسمين أساسين: الأصول والفرش - يمكن أن يفرق إلى قسمَين ظاهرين كما سبق بيانه، والحمد لله أوَّلا وآخِرًا.

ـــــــ

المراجع:

1 - كتاب السبعة لابن مجاهد.

2 - كتاب الغاية لابن مهران، ولم يتيسر لي إلا طبعة دار الصحابة.

3 - كتاب التبصِرة لمكي بن أبي طالب، تحقيق المقرئ/ محمد غوث الندوي.

4 - التيسير في القراءات السبع، تحقيق د. حاتم الضامن.

5 - المستنير في القراءات العشر، ولم يتيسر لي إلا طبعة دار الصحابة.

6 - الشاطبية، ضبط وتصحيح ومراجعة محمد تميم الزعبي، الطبعة الخامسة، 1431، دار الغوثاني. ونسخة دار الصحابة، كتبه محمد فؤاد زيدان، راجعه جمال محمد شرف.

7 - الكنز في القراءات العشر، ولم يتيسر لي إلا طبعة دار الصحابة.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015