ـ[ابو عبد الاله المسعودي]ــــــــ[21 - Jul-2010, صباحاً 02:30]ـ

(3) حديث عليّ بن أبي طالب 1 - رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ -

وقفتُ له على ثلاثة طرق:

الطريق الأول:

أخرجه ابن عدي في "الكامل" 5/ 327 في ترجمة عبد الجبار بن العباس الشباميّ؛ قال:

حدّثنا ابن ناجية، ثنا نصر بن عليّ، ثنا أبو أحمد الزبيري، ثنا عبد الجبار بن العباس، عن عريب بن مرثد، عن عبد الرحمن الإيامي، عن الحارث الأعور، عن عليّ، قال: " نُهِيَ عَنْ ثمَنِ الْكَلْبِ، وَكَسْبِ الحَجَّامِ، وَالضَّبِّ وَالضَّبْعِ".

قال ابنُ عدي رحمه الله: (و لعبد الجبار هذا، غير ما ذكرتُ، وعامة ما يرويه ممّا لا يُتابع عليه.) اه.

قال ابن طاهر المقدسي في "الذخيرة" 5/ 1963 رقم (5828): (رواه عبد الجبار بن العبّاس الشّبامي، و لم يُتابع عبد الجبار عليه، و هو منكر بهذه الزيادة).انتهى، يعني زيادة الضب و الضبع و الله أعلم.

قلتُ: و قد اختُلف في توثيق عبد الجبار هذا؛ فابن أبي حاتم يقول كما في "الجرح و التعديل" 6/ 31: (سألت أبي عنه فقال: ثقة. قلتُ: لابأس به؟ قال: ثقة.)، وقال أحمد بن حنبل: (أرجو أن لا يكون به بأس، حدّثنا عنه وكيع، و أبو نعيم، لكن كان يتشيّع). و قال يحي بن معين: (ليس به بأس). وقال أبو داود: (لا بأس به). و قال العجلي: (صويلح). و قال البزّار: (أحاديثه مستقيمة إن شاء الله). هذا جانب الموثقين.

أما المجرحون: فقال أبو نعيم: (لم يكن بالكوفة أكذب منه).وقال الجوزجاني: (كان غاليا في سوء مذهبه)، قال ابن عدي: (أي كان غاليا في التشيع كوفي). وقال العقيلي: (لا يتابع على حديثه و كان يتشيع).

و عندي أنّ الرجل صدوق في حديثه و إنما أنكروا عليه مذهبه الشيعي و غلوه فيه، و الجرح بالمذهب غير معتبر عند المحققين من علماء الحديث، و هذا أبو حاتم مع تشدده في التوثيق و تعنته، يوثقه بلفظ (ثقة)، و يراجعه ابنه في اللفظة فيُصِرُّ على توثيقه بها، و ما أقرب حكم الحافظ ابن حجر عندما قال عنه في التقريب 1/ 465: (صدوق يتشيع) و هي من مراتب التوثيق عنده. نعم مثله لا يحتمل أن يتفرد بأصلٍ من أصول الحديث، أو يأتي بزيادة فيه لا يتابع عليها، فأين ما ينفرد به أو يزيده في الحديث و هو من الطبقة السابعة؛ (و قد سمّى جماعةٌ من الحفاظ الحديثَ الذي يتفرد به مثل هشيم و حفص بن غياث منكراً، فإن كان المنفرد من طبقة مشيخة الأئمة أطلقوا النكارة على ما انفرد به مثل عثمان ابن أبي شيبة و أبي سلمة التبوذكي و قالوا هذا منكر) (*)، فأين عبد الجبار هذا من عثمان بن أبي شيبة و التبوذكي؟؟.

و الحديث جاء بصيغة (نُهي)، بالبناء على ما لم يُسم فاعلُه، و هو في حكم المرفوع كما هو مقرر في علم المصطلح. وقد أُعِلّ بالوقف؛ ففي "علل الدارقطني" 3/ 181 س (344): (وسُئل عن حديث الحارث، عن عليّ: " نُهي عن ثمن الكلب، و مهر البغيّ، و كسب الحجّام، و الضب، و الضبع "؟ فقال: يرويه عبد الجبار بن العباس، عن عريب بن مرثد، عن عبد الرحمن اليامي، عن الحارث، عن عليّ. قال فيه عمرو بن علي، عن أبي أحمد الزبيري، عن عبد الجبار: " نُهي عن ثمن الكلب "، و تابعه: نصرُ بن علي. وخالفهما: زيدُ بن أخزم، عن أبي أحمد، فوقفه. و كذلك قال أبو نعيم عن عبد الجبار، بن العباس عن عليّ: "نَهى". فكأنه قول عليّ.) انتهى.

قلت: فانظر يرحمك الله و اعتبر .. بسعة حفظ هذا الإمام كيف ذكر لهذا الحديث عدة وجوه، بمتابعاتها ومخالفاتها .. لم أقف فيما وصلنا من كتب الحديث، إلا على طريق نصر بن علي عند ابن عدي، فأين متابعة عمرو بن علي الفلاس؟، و مخالفة زيد بن أخزم؟؟ و في أي كتاب توجد رواية أبي نعيم الفضل بن دكين عن عبد الجبار؟؟ فلا تغتر يا أخي بإسنادٍ؛ ظاهره الصّحة أو الضعف؛ فتعجل في الحكم عليه بظاهره، دون الرجوع إلى هؤلاء الأئمة الذين كانوا يكتبون الحديث الواحد من جميع وجوهه و يعرفون مخرجه ولو تعدد .. فإنهم كانوا في عصر الرواية و رحلوا لأجلها يتتبعونها حتى جمعوا في محفوظاتهم ما لم تجمعه كل الكتب التي وصلتنا مطبوعها و مخطوطها و مفقودها .. أما إنْ رجعتَ إلى كلامهم و ضربت به عرض الحائط و قلتَ: (إيش الدارقطني؟؟ و مالي بقوله (كأنه .. ) و قوله (الأشبه .. )؛ فأخافُ عليك الفتنةَ،فاتّق الله، و سلّم لأهل الصناعة صناعَتهم، و لا تتجاسر عليهم، و أنتَ الغريبُ عنها، المزجاة بضاعتُه في سوقهم الرائجة بضائعهم، المعتمدُ على الصّحف بتصحيفاتها وتحريفاتها، ثم إنّكَ ما حكمتَ على ظاهر الإسناد إلا بتقليدهم في أقوالهم في رجاله .. فلِمَا تخالفهم عندما يحكمون على أحاديثهم؟؟. أتحتج بإمامٍ أنه وثق فلان .. ثم تأتي فتخالفه إذا حكم على بعض حديثه بالنكارة أو خطّأه في إحدى رواياته!!؟؟ فتراجعه و تقول له فلان ثقة. أين عقلك!! لو كان حيا لقال لك: يا هذا أنا وثّقتُه و أنا خطّأتُه، أتقلدني في الحكم الأول و لا تقلدني في الثاني!!

طور بواسطة نورين ميديا © 2015