ـ[ابن الرومية]ــــــــ[10 - Feb-2010, صباحاً 06:54]ـ
ولكن أنت الآن تسلم بأن ضيق التنفس بالصعود لم يكن معهودا للعرب كصورة من صور تحرج الصدر من الصعود أو كسبب من أسبابه (بغض النظر عن أن منتهى ذلك الضيق وغايته الذي هو الاختناق والموت، لم يعرفه العرب ولم يبلغوه) .. وهذا ما أخالفك فيه! إذ ما الذي يدرينا بأنهم ما عرفوا أصل هذا الأمر - بالحس - ووجدوه في صدورهم كلما ازداد صعودهم على الجبال ونحوها؟ هذا الأمر كما ذكرتُ آنفا قد يجده المرء عند بلوغه ارتفاعا ليس بالشاهق الذي لا يتصور أن تبلغه العرب - حتى وإن لم يبذل مشقة في الصعود أصلا كما يكون اليوم فيمن يصعد فوق برج عال أو نحوه ويجد ذلك الضيق في صدره والضغط على أذنيه - فمن أين لك أنهم لم يعهدوه أصالة ومن ثم لا يمكن أن يدخل في جملة مشقات الصعود التي كانوا يعرفونها؟
أنا أخالف أخي ابن الرومية في قوله إنه لو صح أنهم عرفوا هذا الأمر للزم أن نجده منقولا عنهم في المأثور إذ البلوى تعم به، هذا غير صحيح، فالبلوى به تخص من تمرس في صعود الجبال منهم أو كانت له حاجة في ذلك، وهم وإن وجدوا أصل ذلك الأمر كلما صعدوا، فإن الحاجة إلى التحذير منه واتخاذ إجراء مخصوص إزاء ذلك لم تكن ماسة إذ لم يصل ارتفاعهم فوق الجبال إلى حد التعرض للاختناق والموت من فرط الارتفاع! كما أن ضيق الصدر بالعلو - من جهة التنفس - قد يكون معلوما عندهم بما لا يستدعي الكتابة عنه، ومن ثم فالحاجة أو المقتضى لذكر هذا الأمر خصوصا كوجه مستقل من وجوه ضيق الصدر بالعلو وكإضافة إلى جملة ما عهدوه من مشقات الصعود لم ترد عليهم أصلا .. فلا نقول للناس نتحداكم أن تثبتوا من نصوصهم أنهم قد عرفوا ضيق الصدر والتنفس بالصعود! هذا مسلك من يروم قصر معنى الآية على وجه واحد من معاني ضيق الصدر بالصعود، ألا وهو الوجه الذي اكتُشف تفسيره حديثا، حتى يقول للناس هذا من إعجاز الآية! وليس هذا مسلكي ههنا!
كلامي أخي الكريم عن من نزل عليهم الوحي من العرب .... فقولك يحتمل ان يكونوا على علم بضيق الصدر في الارتفاعات العالية هو فقط منك نفي للعلم .. و قد قلنا انه مما تعم به البلوى بناءا على كلامكم ... وهو ما تفطن له الأخ بكر ولم تتفطن له أخي الكريم فيما احسب .. و لهذا لم يرد ان يلتزمه لأنه ان التزم ان ضيق الصدر في الارتفاع في السماء كان معهودا عند العرب للزم ان يكون مما عمت به البلوى .. اذ ما هو معهود مألوف هو ما تعم به البلوى لا ما يعرفه شرذمة من الناس ... والا لدخلنا في دور ... اذ كيف سنعرف انه كان معهودا عندهم ان لم ينقل عنهم؟؟؟؟ كما عرفنا ان معنى الاعياء و الرهق و الجهد معروف عنهم في معنى صعود الجبال ... فهذا عرفناه من النقل عنهم و ان شئت أتيت لك بما يدل عليه من اشعارهم و اقوالهم .... أما في ان ضيق الصدر ملازم للارتفاعات العالية فقد تحدينا الملحدين و النصارى في كلامنا معهم (و لهذا اعتذر عن كلمات التحدي فلا يجوز تسوية الاخوان بغيرهم في الخطاب) ان يأتوا بدليل عليه فلم يأتوا بشيء لحد الآن حتى في الارتفاعات من قمة جبل .. فكيف في التصعد المجرد في السماء؟؟؟؟؟ .. اذ لا تلازم بينهما .. فقد يعرف المرء ان قمم الجبال يضيق فيها النفس و لكن لا يعرف انه بسبب العلو في السماء ... بل قد يظن انها خاصية للارتفاع في الجبل .. و هذا قد تجده في كلام من عرف الجبال في القرون الوسطى من كتاب الرحلات و غيرها ... و لهذا لم يكن الا أن تفاجأ الناس بهذا الضيق حين اخترعت المناطيد و طار الناس عن الأرض سواء كانت جبالا او سهلا ... أفتراهم ايضا لم يكونوا يعرفون صعود الجبال؟؟؟ ... فلم يبق الا ان هذا الضيق ملازم و خاصية من خواص الارتفاع عن السماء .. و لهذا لم تعرف العرب في معاني الصعود المجرد الى السماء الا معنى الامتناع و التكليف بما لا يطاق ... و لهذا تشابه على بعض الأولين حقيقة معنى تشبيه ضيق الصدر عند الكافر و الامتناع عن صعود السماء ... و روي عن عمر طلبه معرفة معنى الحرج ... و لو كان معهودا عندهم ضيق الصدر في الصعود المجرد الى السماء لما طلبوه في المقارنة بالشجر الملتف اذ المعنى من اوضح ما يكون في مطابقة ضيق صدر من ارتفع الى السماء *بضيق صدر من كفر ... حتى انه نفس الاحساس الذي تشعر به حين ترد امرا من امور الله مما لم يوافق هواك او ما كنت تريده و هو شعبة من
¥