الكلام .... و هذا يظهر المغالطة في الكلام التالي

. ثم إن هذا العائق الجديد، أو المشقة الجديدة لم تكن معروفة ولا معهودة للعرب الأولين، فهل يجوز حمل الآية عليها، أو جعلها مقصودة في الآية؟ أو مما تحتمله الآية

نعم .. ليس يجوز فقط .. بل هو الراجح المتأكد للمطابقة التامة سواء اللغوية او الواقعية و هو المعنى الذي تؤول اليه الآية و الذي أقر به جمهور المفسرين من اهل العلم المعاصرين ... بعد أن أصبح معروفا بالضرورة ... بل و أنا معك ان هذه الآية ليست من الاعجاز العلمي في شيء ... لأنها اصبحت من الاعجاز الضروري اللغوي ... فقد خرج اختبار معناها من مشقة النفس و ضيق الصدر عن حد العلم النظري القابل للخطأ و الصواب الى حد العلم الضروري و المشاهدة و المعاينة ... و ان علمها لم يكن كما تقول من واقع معهود الأولين .. و ما كان عند بعضهم من السلف علم يقين استخرج معناه من ضيق الصدر من استنباطه من الآية بما اعطاه الله من نور ... أصبح عندنا عين يقين من اختباره بأنفسنا ..... مما يشمله اللفظ اللغوي الذي اختاره المولى في كلامه مما هو معهود عندنا او عندهم ... و بهذا تظهر المغالطة في الفائدة الشريفة:

العبرة في الألفاظ ومعانيها ولوازمها إنما هي بمعهود أهل ذلك اللسان، في ذلك العصر الذي قيلت، ولا عبرة بما يستجد من معانٍ ولوازم لهذه الألفاظ عند من جاء بعدهم. ولذلك تجد المفسرين الأولين إذا ‘حملوا الآية على معنى ما، أو على وجه من وجوه التأويل ‘‘جاؤوا من كلام العرب الأولين وأشعارهم بما يشهد لهذا المعنى دون ذاك

فالعبرة بمعهود اهل ذلك اللسان لغويا و ذهنيا لا بمعهودهم واقعا ... فالصعود له معنى معهود عندهم لغويا وواقعا و السماء معهودة عندهم لغويا وواقعا ... أما الصعود الى السماء فهو معهود عندهم لغويا لا واقعا ... و المعهود اللغوي الذي عندهم معروف هو الامتناع .. لا ما حاول بعضهم التدليس بأنه الجهد و الاعياء ... فالمعهود الللغوي هو المحقق للحد الضروري من المعنى المفهوم ... ثم المعهود الواقعي هو المحقق للمعنى الذي تؤول اليه الآية و الذي لا يعارض المعهود اللغوي ....

فالقاعدة الصحيحة ان لا ترجع الألفاظ الى معنى غير معهود عند العرب لغة .. لا معهودا معاشا واقعا ... و الا فسيلزمنا:

-رد كل معاني الحوادث المستجدة لأنها لا تشملها دلالة الألفاظ ... فيجب حملها كلها على ما عاشته العرب و عهدته واقعا في عهد نزول القرآن ... فلا فرق هنا بين خبر و انشاء ... اذ أمر من الله يجب ان يرد فقط الى ما كان في عهد العرب معروفا ... اما ما استجد بعدهم فمهما كانت مطابقة وصفه لوصف ما عاشته العرب فلا يدخل تحت معنى أمر الله ... لأنه ببساطة مما لم تعرفه العرب و ليس من معهودها ....

-رد كل الأخبار بالحوادث التي اخبر عنها في القرآن و السنة و تغليط كل السلف الصالح ممن حملها على ما حدث في عصره لأن معانيها منحصرة و امتناع حملها على اي حادث سيحدث بعد لكونه بلا شك شيئا لم تألفه العرب حين نزول القرآن و لم تعهده واقعا

-و هو الأفظع ... القول بالتعطيل او التشبيه الغالي في الصفات ... فكل ما ورد في الصفات انما هو على هذا الضرب .. من المخاطبة بالمعهود اللغوي و ان كان المعهود الواقعي غير معاش ... وهو أكثر ما يبين شناعة ما يلزم هذه المقولة و القاعدة المفتراة ان الله لم يخاطب العرب الا بما عهدته واقعا و ليس فقط لغويا ... فيصير من المتحتم ان العرب كانت تعرف المعنى الواقعي لصفات الله من العليم و السميع و البصير اذ ان السمع لا تعرفه و لاتعهده العرب الا بأذن و جارحة و ان العرب ليس من معهودها الواقعي في الاستواء و العلو الا الزوال من مكان الى مكان ... وهذا الأصل و القاعدة الفاسدة في التفسير و تاويل النص هو ما استبطنته المشبهة و المعطلة على السواء في قولهم:

ان الله لم يخاطب العرب الا بمعهودهم ... و نظرنا فلم نجد من معهودهم في البصر و السمع الا معاني الجوارح

فقالت المشبهة فلزم حمل الآيات عل معهودهم .... وقالت المعطلة فلزم رد الآيات لدلالتها على معهودهم .... و رد عليهم اهل السنة بالتفريق بين تفسير اللفظ بمعناه المفهوم منه لغويا و تفسير اللفظ بما يؤول اليه واقعيا .... فالأول نعرفه و نحمله على ما عرف في نحو العرب في كلامها و الثاني لا نعرفه لأننا لم نعشه بعد لا نحن و لا العرب .... فالأول من التأويل الذي نعلمه نحن الآن و الثاني لا يعلمه الا الله و قد يعلمه غيرنا ....

و بهذا تتبين المغالطة مرة أخرى في المثال

أدميت باللحظات وجنته ... فاقتص ناظره من القلب

و غيرها من الأمثلة .. و هذا اضعف الأمثلة التي يوردها منتقدو الاعجاز العلمي من غير المسلمين ... فهناك ما هو اشد تلبيسا و اصعب تفكيكا من هذا ... كما اوردوه علينا من مقالات نوستراداموس و راسبوتين و غيرهم ... و لكن لحد الآن لم يجرؤ ان ينقلها لنا احد من المسلمين:) *

أما المثال فلا ادري كيف امكن الاستدلال به فمجرد تصوره يغني عن رده .. اذ هل اتى هذا الرجل بشيء في كلامه لم يعرفه العرب قديما ... ؟؟؟ كما اتى النبي صلى الله عليه و سلم العرب بما لم يعرفوه؟؟ فكون حمرة الخدود من الدماء هذا كان يعرفه كل عربي واقعا معهودا معاشا ... و لكن ما كان احد منهم ممن نزل عليهم القرآن يعلم أن رؤوس الشياطين متشعبة كفروع الأشجار واقعا معاشا و لا ان نور الله كمشكاة فيها مصباح واقعا معاشا و لا ان مشقة التصعد في السماء هي من ضيق الصدر واقعا معاشا و ان كان بعض السلف قد ادرك ذلك استنباطا من القرآن لا مما كان يعيشه واقعا معاشا .. كما فهم علماؤهم اجماعا ان الأرض كروية استنباطا من الألفاظ التي عبرعنها في القرآن و ان كانت العرب لا تعرف هذا المعنى من تلك الألفاظ واقعا معاشا ... بل كانوا اهل جاهلية بالعلوم الحسابية دع عنك الفلكية ... و ان كان هذا العلم نظريا من علم اليقين .. و لهذا بقي العوام و كثير من الناس على اعتقاد ان الأرض منبسطة ... حتى أصبح أخيرا ضروريا من عين اليقين ... و هذا ايضا من اعجاز القرآن الواضح ... والله أعلم

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015