و لا يلزم من قول البخاري في حديث صاحب ترجمةٍ ما: (لا يَصِح) عدم صحة حديث صاحب الترجمة نفسه؛ لأنه قد يعني بقوله هذا إحدى روايات الحديث؛ مثال ذلك قوله في " التاريخ الكبير ": (القعقاع بن أبى حدرد الاسلمي، له صُحبة، وامرأته بقيرة، وحديثه عن عبد الله بن سعيد المقبرى، ولا يصح حديثه). – يعني: حديث المقبري عنه؛ لأنه ضعيف؛ كما قال ابن أبي حاتم. ([41] ( http://majles.alukah.net/showthread.php?t=60372#_edn41) ) ، و لا يعني به حديث الصحابي ابن أبي حدرد صاحب الترجمة ذاته.
و مثله في ذلك ما قاله البخاري في حديث الحارث بن عمرو في الاجتهاد: (و لا يَصِح) يعني الحديث المرفوع، لا مُطلق حديثه و لا حديثه بذاته.
فقوله: (لا يَصِحّ) عائدٌ إلى رَفْع الحديث، المذكور في قوله: (رَفَعَهُ في اجتهاد الرأي).
أي أن حديث اجتهاد الرأي لا يَصِح رَفْعُه. أي انه مُرسَل، و هو ما صَرّح به في " التاريخ الكبير "؛ قال: (الحارث بن عمرو ابن اخى المغيرة بن شعبة الثقفى، عن اصحاب معاذ عن معاذ، رَوى عنه أبو عون، ولا يَصِح، ولا يعرف الا بهذا، مرسل). اهـ
و قوله هنا: (لا يَصِح) أي (عن معاذ)، و يؤيده قوله بعده: (مرسل).
و قال الدار قطني: و المرسل أَصَح، بعد أن ذكر الروايتين المرسلة و الموصولة؛ ففي كتاب " العِلل " أنه (سئل عن حديث معاذ، حيث بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن، فقال له: " كيف تقضي؟ قال: بما في كتاب الله، قال: فإن لم يكن في كتاب الله، قال: أفتي بما قضى به الرسول ... " الحديث.
فقال: يرويه شعبة، عن أبي عون، عن الحارث بن عمرو، عن أصحاب معاذ، عن معاذ.
حدَّث به كذلك عن شعبة: يزيد بن هارون، ويحيى القطان، ووكيع، وعفان، وعاصم بن علي، وغندر.
وأرسله عبد الرحمن بن مهدي ([42] ( http://majles.alukah.net/showthread.php?t=60372#_edn42) ) ، وأبو الوليد، والرصاصي، وعلي بن الجعد ([43] ( http://majles.alukah.net/showthread.php?t=60372#_edn43) ) ، وعمرو بن مرزوق.
وقال أبو داود، عن شعبة، قال مرةً: عن معاذ، وأكثر ما كان يحدثنا، عن أصحاب معاذ: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ورُوي عن مسعر، عن أبي عون مرسلا، والمرسل أصح). اهـ
و الاختلاف بين الروايات المرسلة و الموصولة اختلاف ظاهري شكلي، و ليس اختلافا حقيقيا؛ فالحديث المرسل محمول على أن أصحاب معاذ حملوه عن معاذ، و له نظير عند البخاري في " صحيحه "، و هو حديث يزيد عن عراك عن عروة: (أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب عائشة إلى أبي بكر).
و الجمهور على أن السياق المذكور مرسل، وقد صرَّح بذلك الدارقطني وأبو مسعود وأبو نعيم والحميدي؛ قاله ابن حجر، و أجاب عنه بأنه محمول عند البخاري على أن عروة حمله عن خالته عائشة؛ قال في " الفتح ": و الجواب عن الثاني: (أنه وإن كان صورةُ سياقِه الإرسال، فهو من رواية عروة في قصة وقعت لخالته عائشة وجدّه لأمه أبي بكر، فالظاهر أنه حمَل ذلك عن خالته عائشة أو عن أمه أسماء بنت أبي بكر، وقد قال ابن عبد البر إذا عُلِم لقاء الراوي لمن أخبر عنه ولم يكن مدلسا حمُِل ذلك على سماعه ممن أخبر عنه، ولو لم يأت بصيغة تدل على ذلك، و من أمثلة ذلك ... ). انتهى كلام ابن حجر و نَقْله.
و مثله في ذلك حديث اجتهاد الرأي، من رواية أصحاب معاذ في قصة وقعت لمعاذ؛ فهو و إن كانت له صورة المرسل، فهو يدخل في المُسنَد لما عُلِم بالضرورة مِن لقاء أصحاب معاذ معاذ بحكم صحبتهم له؛ فالظاهر أنهم حملوه عنه، لا سيّما و قد وقع التصريح بإخبارهم به، في رواية الخطيب البغدادي في " الفقيه و المتفقه "؛ قال: (وأنا الحسن بن أبي بكر، أنا دعلج، نا الحسن بن سفيان، أنا حبان، نا ابن المبارك، أنا شعبة، عن أبي عون، عن الحارث بن عمرو ابن أخي مغيرة بن شعبة، عن رجال من أهل حمص من أصحاب معاذ، قالوا: قال معاذ: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن فقال: «إذا عرض لك قضاء، كيف تقضي؟»). اهـ
¥