و الاحتمال الثاني في قوله: (مجهول) أنه مجهول الحال، و نقله توثيقه يُعارِض ذلك الاحتمال، لا سيما و أنه لم يتعَقّبه. و مما يؤكد أنه ليس بمجهول الحال عنده، قوله في المرتبة السابعة في تقسيم الرواة: (مَن رَوى عنه أكثر من واحد ولم يوثق، وإليه الإشارة بلفظ: مستور، أو مجهول الحال). و الحارث بن عمرو لم يَرْو عنه إلاّ واحد؛ فلا يكون داخلاً في هذه المرتبة، المتضمنة لمقصوده بمجهول الحال.

و لا شك في أن التعريف به و التعديل يتناقضان مع القول بجهالته، و رفع ذلك التناقض الظاهري سبيله أن قوله (مجهول) محمولٌ على التفرّد بالرواية عنه، بمعنى أنه ٍلم يَرْو عنه إلاّ راوٍ واحد. و هو ما ذكره ابن حجر نفسه في (مقدمة التقريب)؛ قال في تقسيم مراتب الرواة: (التاسعة: مَن لم يَرْو عنه غير واحد، ولم يوثق، وإليه الإشارة بلفظ: مجهول). اهـ

و بهذا الاعتبار قال في الحارث بن عمرو: (مجهول)؛ لأنه لم يَرْو عنه غير راوٍ واحد، هو أبو عون محمد بن عبيد الله الثقفي، و هو ما ذكره آنفا في " تهذيب التهذيب ".

و هو مذهبٌ مشهور عند أئمة الحديث؛ قال الخطيب البغدادي في (باب ذكر المجهول وما به ترتفع عنه الجهالة) من كتابه " الكفاية في علم الرواية ": المجهول عند أصحاب الحديث هو كل من لم يشتهر بطلب العلم في نفسه، ولا عرفه العلماء به، ومن لم يُعرَف حديثه الا من جهة راوٍ واحد مثل عمرو ذي مر وجبار الطائي وعبد الله بن أغر الهمداني والهيثم بن حنش ومالك بن اغر وسعيد بن ذي حدان وقيس بن كركم وخمر بن مالك، هؤلاء كلهم لم يَرْو عنهم غير أبى إسحاق السبيعي، ومثل –و ذكَر عدة أسماء، ثم قال: - وغير مَن ذكرنا خلق كثير تتسع اسماؤهم، وأقل ما ترتفع به الجهالة أن يروى عن الرجل اثنان فصاعدا من المشهورين بالعلم، كذلك

أخبرنا محمد بن احمد بن يعقوب انا محمد بن نعيم انا إبراهيم بن إسماعيل القارى نا أبو زكريا يحيى بن محمد بن يحيى، قال: سمعت أبى يقول: إذا رَوى عن المحدِّث رجلان ارتفع عنه اسم الجهالة. قلت إلاّ أنه لا يثبت له حكم العدالة بروايتهما عنه. وقد زعم قوم أن عدالته تثبت بذلك، ونحن نذكر فساد قولهم بمشيئة الله وتوفيقه). انتهى كلام الخطيب.

و هو مذهب الحافظ الذهبي أيضا، ذكره تصريحاً في ترجمة الحارث بن عمرو في " ميزان الاعتدال "؛ قال: (الحارث بن عمرو [د، ت] عن رجال، عن معاذ بحديث الاجتهاد.

قال البخاري: لا يصح حديثه.

قلت [أي الذهبي]: تفرّد به أبو عون محمد بن عبيدالله الثقفى، عن الحارث بن عمرو الثقفى ابن أخى المغيرة. وما رَوى عن الحارث غير أبى عون؛ فهو مجهول). انتهى كلام الذهبي.

فتَأَمّلَه يتبَيّن لك المراد بالمجهول ها هنا. و هو أنه تفَرّد بالرواية عنه راوٍ واحد، لا أنه مجهول العيْن و لا مجهول الحال؛ كما فَهم البعض و وَهَم.

و بذلك انكشفت تلك الشُبهة في القول بجهالة الحارث بن عمرو. بعون الله و الحمد لله.

و الحارث بن عمرو تابعيّ ثقة فلا يَضرّه و لا يقدح في حديثه تفَرّد الراوي عنه.

و قد ذكره الإمام مسلم بن الحجاج في التابعين، مِمَن تَفَرّد بالرواية عنهم راوٍ واحد، في كتابه " المنفردات و الوحدان ". و تقدم ذكر ذلك.

الشبهة الثانية: في قول البخاري في حديث الحارث رَفَعَهُ في الاجتهاد: لا يَصِحَ، و هو يعود إلى رفْع الحديث، المذكور من قبل

اعتلّ ابن حزم في إبطال و إنكار حديث اجتهاد الرأي بقول البخاري في حديث الحارث بن عمرو المرفوع: لا يَصِِح؛ ففي (الباب الخامس والثلاثين في إبطال الاستحسان والاستنباط والرأي) من كتابه " الإحكام "، و بعد أن أورد حديث معاذ من طريق أبي داود السجستاني، و أخرجه مرسلا و موصولا؛ قال: (وأما خبر معاذ فإنه لا يحل الاحتجاج به لسقوطه ... قال البخاري: ولا يُعرف الحارث إلا بهذا ولا يصح. هذا نصّ كلام البخاري رحمه الله في تاريخه الاوسط). انتهى كلام ابن حزم.

و هو مُسْتَلٌ مما قاله البخاري فيه؛ فلم يتبين مراده به، و تمامه: (الحارث بن عمرو بن أخي المغيرة بن شعبة الثقفي، عن أصحاب معاذ، رَفَعَهُ في اجتهاد الرأي، قال شعبة عن أبي عون، ولا يُعرف الحارث إلا بهذا، ولا يَصِح). اهـ

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015