و في الحديث ترتيبُ أدلةِ الأحكام؛ قال الإمام أبو بكر بن العربي في المسالة الثالثة من (الأصول)، في شرحه الحديث في " العارضة ": في ترتيب أدلّة الأحكام من الكتاب والسنة والاجتهاد تفصيل، وذلك أن القرآن هو الأصل في البيان، وهو فيه علي وجوه من الجلاء والخفاء؛ فتولى النبي صلي الله عليه وسلم بيانه؛ كما قيل له: [وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ]، فإن لم يكن له في كتاب الله جلاء طلبه؛ ففي بيان النبي صلي الله عليه وسلم ... اهـ

و ترتيب أدلة الأحكام في حديث الاجتهاد: القرآن أولاً ثم السُنّة ثانيا، و ليس فيه التفريق بينهما؛ كما فهم و وَهَم بعض المعاصرين في تعليله لإنكاره متن الحديث. و ليس الأمر كما قال، و ليس فيه منع الجمع بينهما و النظر فيهما معاً.

و هذا الترتيب هو المعروف في علم أصول الفقه، و هو المعمول به عند العلماء و الفقهاء، و هو صنيع الإمام البخاري في تراجمه لغالب أبواب " صحيحه "؛ ففي أول أبوابه (باب بدء الوحيّ) ترجمه بقوله: (كيف كان بدء الوحيّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقول الله جَلَّ ذِكْره {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ}). ثم أورد حديث الباب للافتتاح، ثم حديث الوحي: (عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، أن الحارث بن هشام رضي الله عنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله كيف يأتيك الوحي؟ ... ) الحديث.

فذكَر دليل الكتاب مُجملاً أولاً، ثم ساق بيانه من دليل السُنّة ثانيا، و فِقْه البخاري في تراجمه، و هو ما دَلّ عليه حديث معاذ في الأحكام.

و بناءً على كل ماتقدم ذكره؛ فالحديث عن معاذ في الاجتهاد في الأحكام صحيحُ الإسناد، صحيح المتن، صحيح المعنى، إن شاء الله.

و هو ما قاله و بيّنه الأئمة في أقوالهم المذكورة فيما مضى.

و لا يَعكر عليه شيء إلاّ ما لا عبرة به من الأوهام و الشُبهات، المردودة المدفوعة بما لا يَسَع إنكاره؛ كما تقدّم بيانه، و كما سيأتي كشفه إن شاء الله.

كشْف شُبُهات

بَقِيَت هناك شُبهتان ظاهرتان لحقتا بكلام بعض الأئمة في بعض روايات الحديث و رُواته، و قد وقع بسببهما التباسٌ كبير عند عددٍ من الناس، و استند إليهما بعضُ مَن قام بتضعيف حديث معاذ في الاجتهاد في الأحكام:

الشبهة الأولى: في القول بجهالة الحارث بن عمرو، و المراد بها التفرد بالرواية عنه

قال بعض الأئمة الذين ترجموا للحارث بن عمرو و قاموا بالتعريف به إنه مجهول. و من هنا نشأت شبهة القول بجهالته، لا سِيِّما و أنهم قد حَكوا تعديله. و هذا ظاهره التعارض.

و من ذلك ما ذكره ابن حجر في " تهذيب التهذيب " – مما اختصره من " تهذيب الكمال " لأبي الحجاج المزي – في ترجمته:

(د ت - الحارث بن عمرو بن أخي المغيرة بن شعبة الثقفي، روى عن أناس من أهل حمص من أصحاب معاذ عن معاذ في الاجتهاد، وعنه أبو عون محمد بن عبيد الله الثقفي، ولا يُعرف إلا بهذا الحديث. قال البخاري: لا يصح ولا يُعرف. وقال الترمذي: لا نعرفه إلا من هذا الوجه وليس إسناده عندي بمتصل. قلت: لفظ البخاري: روى عنه أبو عون، ولا يصح، ولا يُعرف إلا بهذا. مرسل؛ هكذا قال في " التاريخ الكبير "، وقال في " الأوسط "، في فصل من مات بين المائة إلى عشر ومائة: لا يُعرف إلا بهذا، ولا يصح. وذكره العقيلي وابن الجارود وأبو العرب في الضعفاء، وقال ابن عدي: هو معروف بهذا الحديث، وذكره بن حبان في الثقات، وذكر إمام الحرمين أبو المعالي الجويني أن هذا الحديث مخرَّج في الصحيح، ووهم في ذلك. والله المستعان). انتهي.

و لا ريْب في أن هذا تعريفٌ بالحارث بن عمرو، و فيه تعديلٌ له أيضا؛ بِذِكْر توثيق ابن حبان له.

ثم قال ابن حجر بجهالته بعد ذلك في " تقريب التهذيب " – و هو تجريد و تلخيص لكتابه الأول -؛ قال:

(الحارث بن عمرو بن أخي المغيرة بن شعبة الثقفي، ويقال بن عون، مجهول، من السادسة، مات بعد المائة د ت). اهـ

و قوله في الحارث: (مجهول) يحتمل أنه مجهول العين، و ترجمته له و تعريفه به، تنفي ذلك الاحتمال و تنقضه.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015