فَصحَّ أن الأعمش شك فيه، أهو عن ابن مسعود أم لا). هكذا قال ابن حزم و جَزَم!
و الحديث رواه النسائي في الكبرى من طريق حريث بن ظهير، ومن طريق عبد الرحمن بن يزيد كلاهما , عن عبد الله بن مسعود به؛ بغيْر أيّ لفظ شكّ من أحدٍ من الرواة؛ كما في الحديث المتقدم من طريق عبد الرحمن بن يزيد، الذي صحّحه النسائي، و قال: هذا الحديث جيد جيد.
و رواه أيضا من طريق حريث بن ظهير، و كلاهما بلفظ: (قال عبد الله ... )، أو (عن عبد الله بن مسعود، قال ... )؛ بالتصريح بنسبة القول إليه، و بغير شكٍ فيه.
فابن حزم أَعَلّ إحدى طُرق أثر ابن مسعود – و هي طريق حريث بن ظهير - من رواية ابن أبي عدي؛ بشَكّ أحد الرُواة، و هذه الطريق رُويَتْ بغير الشك في روايات أخرى، عند النسائي و الدارمي و غيرهما، فضلاً عن أنّ روايات الطريق الأخرى – طريق عبد الرحمن بن يزيد – قد سلِمتْ و خَلَتْ من ألفاظ الشَكّ من الرواة.
فحديث النسائي المتقدم و غيره جاء بالتصريح بنسبة القول لابن مسعود، و بغير لفظ (أحسبه قال) الدّال على الاحتمال، و التصريح بنسبة القول إلي ابن مسعود لا يَسْقط بالاحتمال، و العُمدة فيه حديث النسائي الذي صحّحه بواحد من أعلى ألفاظ التصحيح، و هو قوله: جيّد جيّد؛ فسقط إعلال ابن حزم لأثر عبد الله بن مسعود.
3 – و من الشواهد لحديث معاذ رضي الله عنه في الاجتهاد أيضا، أَثَرُ ابن عباس رضي الله عنهما، الذي أخرجه الحاكم في " مستدركه "، و صَحَّحه، (عن عبيد الله بن أبي يزيد قال: كان ابن عباس إذا سئل عن شيء: فكان في كتاب الله قال به، فإن لم يكن في كتاب الله و كان من رسول الله صلى الله عليه و سلم فيه شيء قال به، فإن لم يكن عن رسول الله صلى الله عليه و سلم فيه شيء قال بما قال به أبو بكر و عمر، فإن لم يكن لأبي بكر و عمر فيه شيء قال برأيه.
قال الحاكم عقبه: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، و فيه توقيف، و لم يخرجاه). اهـ
تعليق الذهبي قي التلخيص: على شرطهما.
و الحديث أخرجه ابن أبي شيبة في " مصنفه "، (في القاضي ما ينبغي أن يبدأ به في قضائه)؛ قال: حدثنا ابن عيينة، عن عبيد الله بن أبي يزيد، قال: كان ابن عباس إذا سئل عن الأمر، وكان في القرآن أخبر به، وإن لم يكن في القرآن، فكان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر به، فإن لم يكن فعن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، فإن لم يكن قال فيه برأيه. اهـ
و عنه أخرجه ابن حزم، في كتابه " الإحكام ".
و كذا أخرجه الدارمي في " سُننه "، في (باب الفتيا و ما فيه من الشدة)، عن ابن عيينة عن عبيد الله بن أبي يزيد؛ بنحوه، و أخرجه البيهقي في " المدخل "، و الحافظ ابن عبد البر في " جامع بيان العلم "، و أبو بكر الخطيب في " الفقيه و المتفقه ".
و قد رَدّه ابن حزم بدعوى أن ذلك مِِن إخبار عبيد الله بن يزيد، راوي الحديث، و ليس هو قول ابن عباس رضي الله عنهما!
و غَفَل عما ذكره هو، و أخرجه عن (سعيد بن منصور ثنا سفيان بن عيينة حدثني عبيد الله بن أبي يزيد، قال: شهدتُ ابن عباس إذا سئل عن شيء: فإن كان في كتاب الله تعالى قال به ... )، و أخرجه ابن عبد البر في " جامع بيان العلم " بلفظ (رأيتُ ابن عباس إذا سئل عن شيء)، من حديث يونس بن عبد الأعلى، قال: (حدثنا سفيان بن عيينة، عن عبيد الله بن أبي يزيد، قال: رأيت ابن عباس إذا سئل عن شيء هو في كتاب الله قال به ... ).
و فيهما إخبار عبيد الله بن أبي يزيد أنه رأى و شَهدَ ابن عباس يقول في كذا بكذا، و هو بمقام قوله: قال ابن عباس كذا و كذا، بل أقوى؛ لأنه خبرٌ عن ابن عباس مقرونٌ بالرؤية.
و راوي الأثر عبيد الله بن أبي يزيد ثقةٌ، ترجمه الكلاباذي (ت 398 هـ) في كتابه رجال صحيح البخاري، المسمى " الهداية و الإرشاد في معرفة أهل الثقة و السداد الذين أخرج لهم البخاري في جامعه "، و أحاديثه في الوضوء و البيوع و النفقات و مواضع منه.
¥