و رسالة عمر هذه إلى شريح التي أخرجها النسائي، ذكرها ابن حزم، و أخرجها من طريقه في كتابه " الإحكام "، و احتجّ بها، و قال بصحّتها، و هي نظيرُ ما أنكره في حديث معاذٍ؛ قال – ابن حزم بعد أن أَعَلّ و أَنكر رسالة عمر المشهورة إلى أبي موسى الأشعري -: (وأما الرسالة التي تصِحّ عن عمر فهي غير هذه، وهي التي حدثنا بها عبد الله بن ربيع التميمي نا محمد بن معاوية المرواني نا أحمد بن شعيب النسائي نا محمد بن بشار نا أبو عامر العقدي نا سفيان الثوري عن أبي إسحاق الشيباني عن الشعبي، عن شريح: أنه كتب إلى عمر يسأله. فكتب إليه عمر: أن اقض بما في كتاب الله تعالى، فإن لم يكن في كتاب الله فسنة رسول الله صلى الله عليه و سلم، فإن لم يكن في كتاب الله ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه و سلم، فاقض بما قضى الصالحون، فإن لم يكن في كتاب الله ولا في سنة رسول الله ولم يقض به الصالحون، فإن شئت فتقدم وإن شئت فتأخر، ولا أرى التأخر إلا خيراً لك. والسلام). اهـ

و هي نظير حديث معاذ في الاجتهاد، سوى لفظ (فاقض بما قضى به الصالحون) بدلاً من لفظ معاذ (أجتهد رأيى). و لا مُنافاةَ بينهما؛ فالقول الأول (بما قضى به الصالحون) هو ثمرةٌ للثاني (أجتهد رأيى) و نتيجة له. ([39] ( http://majles.alukah.net/showthread.php?t=60372#_edn39) )

على أنه قد جاءت الرواية فيها بلفظ (فاجتهد رأيك)؛ في أثر عمر رضي الله عنه، الذي أخرجه الحافظ ابن عبد البر في " جامع بيان العلم "، في باب اجتهاد الرأي على الأصول عند عدم النصوص في حين نزول النازلة؛ قال: أخبرنا أحمد بن محمد، حدثنا أحمد بن الفضل، حدثنا محمد بن جرير، قال: حدثني يعقوب بن ابراهيم، قال: حدثنا هشيم، قال: حدثنا سيار عن الشعبي، قال: لما بعث عمر شريحا على قضاء الكوفة، قال له: (انظر ما تبين لك في كتاب الله فلا تسأل عنه أحدا، وما لم يتبين لك في كتاب الله فاتبع فيه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما لم يتبين لك فيه السنة فاجتهد رأيك). اهـ و أخرجه الخطيب البغدادي في " الفقيه و المتفقه " أيضا.

2 – و من هذه الشواهد أَثَرُ عبد الله بن مسعود، الذي أخرجه النسائي، في (باب الحكم باتفاق أهل العلم)، و قال إنه: جيد جيد. و جاء فيه: (فليجتهد رأيه).

و هو حديث الباب عند النسائي – الذي أخرج ابن حزم من طريقه رسالة عمر المذكورة آنفا – و فيه: (فإن جاء أمر ليس فى كتاب الله ولا قضى به نبيه صلى الله عليه وسلم ولا قضى به الصالحون، فليجتهد رأيه). و هو حديثٌ جيّد جيد؛ كما قال النسائي عَقِبه.

و الحديث أخرجه في " سُننه " - (باب الحكم باتفاق أهل العلم) – قال:

- أخبرنا محمد بن العلاء، قال حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عمارة هو ابن عمير، عن عبد الرحمن بن يزيد، قال: أَكثروا على عبد الله ذات يوم، فقال عبد الله: (إنه قد أتى علينا زمانٌ ولسنا نقضى ولسنا هنالك، ثم إن الله عزّ وجَلّ قدَّر علينا أن بلغنا ما تَروْن، فمَن عرض له منكم قضاءٌ بعد اليوم؛ فليقض بما فى كتاب الله، فإن جاء أمرٌ ليس فى كتاب الله؛ فليقض بما قضى به نبيه صلى الله عليه وسلم، فإن جاء أمرٌ ليس فى كتاب الله ولا قضى به نبيه صلى الله عليه وسلم؛ فليقض بما قضى به الصالحون، فإن جاء أمر ليس فى كتاب الله ولا قضى به نبيه صلى الله عليه وسلم ولا قضى به الصالحون؛ فليجتهد رأيه، ولا يقول إنى أخاف وإنى أخاف؛ فإن الحلال بيِّن والحرام بيِّن، وبَيْن ذلك أمورٌ مشتبهات، فَدَعْ ما يريبك إلى ما لا يريبك).

قال أبو عبد الرحمن: هذا الحديث جيد جيد. اهـ

و أبو عبد الرحمن هذا هو النسائي، أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي النسائي.

و مَوّه ابن حزم؛ فذكره من هذه الطريق، ثم أَعَلّه من طريق أخرى، أنّ (محمد بن سعيد بن نبات حدثناه، قال: ثنا أحمد بن عون الله، نا قاسم بن أصبغ، ثنا محمد بن عبد السلام الخشني، نا محمد بن بشار، نا محمد بن أبي عدي، ثنا شعبة، ثنا الاعمش، عن عمارة بن عمير، عن حريث بن ظهير - قال الاعمش: أحسبه قال: قال ابن مسعود: (لقد أتى علينا حين وما نسأل وما نحن هناك ... ). ثم ذكره بنصه.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015