ـ[أمجد الفلسطيني]ــــــــ[26 - Jun-2010, مساء 10:40]ـ

ثانيا:دعوى نكارة متن الحديث

سابع الأوهام: دعوى وضْع الحديث و بطلان متنه:

لو اقتصر ابن حزم على تضعيف الحديث من ناحية السَند؛ لكان ذلك أمراً محتملاً و مُتقَبلاً، و لكنه اشتَطَّ؛ فادَّعى جازماً في كتابه " الإحكام " أن ذلك الحديث ظاهرُ الكَذِب و الوَضْع؛ بدعوى بُطلان مَتْنه؛ قال: (وأيضا فإن هذا الحديث ظاهر الكذب والوضع؛ لأن من المُحال البيِّن أن يكون الله تعالى يقول: (اليوم أكملت لكم دينكم)، و (ما فرطنا في الكتاب من شئ)، و (تبيانا لكل شئ)، ثم يقول رسول الله (صلى الله عليه و سلم): إنه ينزل في الديانة ما لا يوجد في القرآن.

ومن المُحال البيِّن أن يقول الله تعالى مخاطبا لرسوله (صلى الله عليه و سلم): (لتبين للناس ما نزل إليهم)، ثم يقول رسول الله (صلى الله عليه و سلم): إنه يقع في الدين ما لم يبينه عليه السلام، ثم من المحال الممتنع أن يقول رسول الله (صلى الله عليه و سلم): فاتخذ الناس رؤوسا جهالا، فأفتوا بالرأي فَضَلُّوا وأَضلّوا - جاء هذا بالسند الصحيح الذي لا اعتراض فيه، وقد ذكرناه في باب الكلام في الرأي - ثم يطلق الحكم في الدين بالرأي، فهذا كله كَذِبٌ ظاهر لا شك فيه). انتهى كلام ابن حزم. و قال في موضع آخر: فهذا كذِبٌ ظاهر لا شكّ فيه. [!]

و قد أنكر ابن حزم متن الحديث هنا، زاعماً أنه من المُحال البَيّن أن يكون الله تعالى قد أكمل الدين و أنزل الكتاب تبيانا لكل شيء، ثم يقول رسول الله (صلى الله عليه و سلم): إنه ينزل في الديانة ما لا يوجد في القرآن. و زاعماً أيضاً أنه من المُحال البيّن أن يؤمر النبي صلى الله عليه و سلم بتبيين ما أُنزِل إلى الناس، ثم يقول إنه يقع في الدين ما لم يبينه هو عليه الصلاة و السلام. و أنه من المُحال الممتنع أن يُطْلِقَ عليه الصلاة و السلام الحكم في الدين بالرأي؛ هكذا قال.

و سبب الوهم عند ابن حزم في زعمه هذا، هو مذهبه في الأخذ بظاهر النصوص و ترك التأويل و لو مع الدليل، و بما أن حديث مُعاذٍ هذا ليس على ظاهرِه؛ لتعارضه مع ظاهر النصوص التي ذكرها؛ لذا وَهَم ابن حزم فيه و أنكره، هذا فضلاً عن تعصبه الشديد لمذهب الظاهرية في نفي القياس.

و إنما المُراد بالحديث أنّ هناك من الوقائع و الأقضية ما ليس فيه – بعيْنه - نَصٌّ من الكتاب أو السُنّة تصريحاً. و هذا سبيلُه الاجتهادُ في معرفة الأحكام، سواء أكان ذلك بطريق القياس أَم بغيره،

و القول بوجود نَصّ في كل الوقائع و الأحداث بأعيانها مُكابرة.

و لعله غفَل عما أوضحه الإمام الشافعي من أن الاجتهاد إنما هو بالحمْل على الأصليْن: كتاب الله و سُنة رسول الله؛ قال في " الأم ": فإذا كانا موجوديْن فهما الأصلان، وإذا لم يكونا موجوديْن فالقياس عليهما، لا على غيرهما. و في كلامه هذا إثبات لِما نفاه ابن حزم و أنكره آنفا.

و قال أيضا: و معنى الاجتهاد من الحاكم إنما يكون بَعدَ أن لا يكون فيما يريد القضاء فيه كتابٌ ولا سُنة ولا أمرٌ مجتمع عليه، فأمّا وشيء من ذلك موجودٌ فلا. و قد تقدم ذكره.

و ما جاء في حديث معاذٍ رضي الله عنه من وقوع أقضية لا نَصّ فيها – بأعيانها – من كتابٍ و لا سُنّة، جاء نظيره في أحاديثٍ أخرى قال الأئمةُ و ابن حزم نفسه بصحتها. و سيأتي.

و كلام ابن حزم في نكارة المتن مردودٌ عليه، و مدفوعٌ بعدة أمور:

الأول: أن للحديث عدة شواهد صحيحة:

1 - و منها أثر عمر رضي الله عنه _ و هو رسالته إلى شريحٍ القاضي _ الذي أخرجه النسائي في " سننه الكبرى "، في باب الحكم باتفاق أهل العلم؛ قال: أخبرنا محمد بن بشار قال حدثنا أبو عامر قال حدثنا سفيان عن الشيباني عن الشعبي عن شريح: أنه كتب إلى عمر يسأله، فكتب إليه: أن اقض بما في كتاب الله، فإن لم يكن في كتاب الله؛ فبسنة رسول الله صلى الله عليه و سلم، فإن لم يكن في كتاب الله ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه و سلم؛ فاقض بما قضى به الصالحون، فإن لم يكن في كتاب الله ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه و سلم ولم يقض به الصالحون؛ فإن شئت فتقدم وإن شئت فتأخر، ولا أرى التأخر إلا خيرا لك. والسلام عليكم. اهـ

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015