و قال خليفة: مات أبو عون سنة عشرين ومائة. وثَّقه ابن معين وأبو زرعة؛ ذكره الذهبي في

" تاريخ الإسلام ".

و عليه، فلا يقدح في حديثه في اجتهاد الرأي دعوى تفرده بروايته؛ لأنه تابعي ثقة، و من رجال الصحيحين، و حَسْبك بذلك في الضبط و الإتقان و التثبت في الرواية؛ فلا يُعقَل مِمَن هذا حاله ما زعمه ابن حزم أنه إنما أخذه عن مجهولٍ لا يعرفه أحد، عن مثله فيما ادعى وزعم ذلك المجهول أيضا. [!]

و هذا على تقدير صحة القول بتفرد أبي عون بروايته، و هو ما لم يصِحّ؛ إذ رواه أيضا عبادة بن نسي عن عبد الرحمن بن غنم عن معاذ. و قد سبق بيانه.

6 – و أَمّا سادس أوهام ابن حزم، فقوله في دعوى سقوط حديث شعبة عن أبي عون: (هذا حديثٌ ساقط ... وأول سقوطه أنه عن قوم مجهولين لم يُسَمّوا، فلا حجة فيمن لا يُعرف مَن هو، وفيه الحارث بن عمرو وهو مجهول لا يُعرف مَن هو). و أصحاب معاذ و إن كانوا غير مُسَمّيِن هنا، فهُمّ عُدولٌ ثقات؛ لنسبتهم إلى صُحبته، و هو مَن هو ديناً و علما و فضلاً؛ فلا يَصحَب إلاّ مَن كانوا على شاكلته، و أَما الحارث بن عمرو فتابعيّ ثقة معروف، و ما هو بمجهول. و سيأتي بيان ذلك قريبا.

و قد أَعَلَّ ابن حزم الحديث – سنداً و متناً - بِعِلَّتيْن مُتَوهمتيْن:

الأولى: وجود مجاهيل في إسناده؛ فادعى:

1 - جهالة هؤلاء الجماعة من أصحاب معاذٍ رضي الله عنه، رواة ذلك الحديث؛ بدعوى أنهم لم يُسَمُّوا؛ فلا يُعْرَف مَن هُم.

2 - جهالة الحارث بن عمرو، الراوي عنهم؛ بزعم أنه لا يُعْرَف مَن هو.

العلة الثانية: نكارة المتن؛ بزعم ابن حزم.

علل مدفوعة و مردودة

و هذه العِلل المذكورة - آنفا - مدفوعةٌ بما قالهُ الإمام الرازي الجَصّاص و الخطيب البغدادي و ابن العربي و ابن القيّم، و مردودةٌ بما تَرجَمَهُ الأئمة الأعلام في معرفة الرجال؛ كالإمام البخاري، و مسلم، و ابن أبي حاتم، و ابن حبان، و الذهبي، و المزّي، و ابن حجر، و غيرهم. و سيأتي بيانه، و كشف شُبهاته، بَعْدُ بعَون الله و توفيقه.

أولاً: رَدّ دعوى وجود مجاهيل في إسناد الحديث

أ - دعوَى جهالة هؤلاء الجماعة من أصحاب معاذٍ رضي الله عنه:

1 – هذه الدعوى مردودةٌ و مدفوعةٌ بما ذكره الإمامان الخطيب البغدادي و ابن القيِّم - آنفا - مِن تزكيتهم و تعديلهم، فهذا الحديث وإن كان عن أناسٍ مُبهَمين من أصحاب معاذ؛ فلا يضره ذلك؛ لأن إضافته إلى رجالٍ من أصحاب معاذ توجب تأكيده؛ لأنهم لا يُنسبون إليه أنهم من أصحابه، إلاّ وهمّ ثِقاتٌ مقبولو الرواية عنه؛ كما قال الإمام أبو بكر الجَصاص. ([31] ( http://majles.alukah.net/#_edn31))

و في بيان ذلك؛ قال ابن القيم: فهذا الحديث وإن كان عن غير مُسمّين فَهُمّ أصحاب معاذ فلا يضره ذلك؛لأنه يدل على شهرة الحديث، وأن الذي حدث به الحارث بن عمرو عن جماعةٍ من أصحاب معاذ، لا عن واحدٍ منهم، وهذا أبلغ في الشهرة من أن يكون عن واحد منهم لو سُمّي، كيف وشهرة أصحاب معاذ بالعلم والدين والفضل والصدق بالمحل الذي لا يخفى، ولا يُعرف في أصحابه متهم ولا كذاب ولا مجروح، بل أصحابه من أفاضل المسلمين وخيارهم، لا يشك أهل العلم بالنقل في ذلك. و قد تقدم

و هو جوابٌ جَيّد، لا يَسَع المُخالِفُ إنكارَه، بل أَقَرّه بعض مَن قال بنكارة الحديث مِن المعاصرين؛ قال الشيخ الألباني: فهذا جوابٌ صحيح لو أن علة الحديث محصورة بهذه العلة ([32] ( http://majles.alukah.net/#_edn32)) . و أَعَلّه بِعِلتيْن أُخْرَتيْن.

2 – و أيضا فتلك العِلة مدفوعة بأنّ للحديث نظائرُ – في إسقاط الأسماء عن جماعة - في " الصحيحيْن " و " الموطأ "؛ كما أوضح الإمام أبو بكر بن العربي؛ فعدم تسمية مثل هؤلاء الجماعة لا تُدخِله في حيّز المجهولات، و لا تُخرِجه من حيِّز الصحيح.

قال ابن العربي في " عارضة الأحوذي " - في بيان صحة ذلك الحديث -: و لا أحدَ من أصحاب معاذ مجهولاً، و يجوز أن يكون في الخبر إسقاط الأسماء عن جماعةٍ، و لا يُدخِله ذلك في حيِّز الجهالة، و إنما يدخل في المجهولات إذا كان واحداً؛ فيقال: حدثني رجلٌ، حدثني إنسان.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015