ينبغي التنبه إلى أن الشاعر لم يتحدَّ الناس في سائر الأزمان بإثبات بطلان كلامه أو ورود الوهم والخطأ عليه، فلا حاجة بنا أصلا لأن نأتي اليوم ونقول إنه لم يختر في كلامه - بمجمله - وصوره البلاغية الخارجة منه بلسان أهل زمانه، شيئا قد جاء العلم الحديث بخلافه! فخطابه موجه بلسان أهل زمانه إلى أهل زمانه - بل وأهل عشيرته - وحدهم .. أما القرءان فإنه مع نزوله بلسان العرب الأوائل، لم يكن الخطاب فيه موجها إليهم وحدهم، ولكن كان موجها بلسانهم إلى سائر البشر وإلى قيام الساعة .. ولم يكن المتكلم به سبحانه قاصرا عن الإحاطة بأحوال هؤلاء المخاطبين به من خلقه إلى قيام الساعة، ولا كان قاصرا عن الإحاطة بما أذن لبعضهم بالتوصل إليه من المعارف الحسية في متأخر الأزمان .. فلا شك في أن عجز علماء هذا الزمان وكل زمان عن إبطال حرف واحد مما فيه من الخطاب = من صور إعجازه التي أجمعت عليها الأمة قاطبة، بله أصل معجزة القرءان الكبرى!
فنحن أبدا لن نقول للناس إن هذا الشاعر لما اختار التشبيه بهذه الصورة اختارها على علم بأنه لن يأتي في مستقبل الزمان ما يثبت بطلان أو خرافية متعلقها الواقعي عند أهل اللسان الذي خرج به الخطاب .. فهذا الشاعر بشر على أي حال، الخطأ والجهل صفتان فيه لا تنفكان عنه! وسواء جاء العلم الحديث بما يبين السبب العلمي لظهور وجه الشبه فيها أم لم يفعل، فلا حاجة بنا إلى شيء من هذا ..
أما القرءان فقد تحدى الربُّ الناس - الأولين والآخرين - بالإتيان بمثله، وتحداهم بإخراج وجه واحد للباطل فيه أو التناقض أو الاختلاف .. فهو وإن كان لم يرد ولم يشر إلى الاختناق بنقص الأكسوجين في وجه الشبه الذي فهمه الأولون من كلامه، إلا أنه تخير من الصور البلاغية التي يفهمها العرب ويعهدونها ما علم سبحانه أنه لا مطعن فيه ولا مخالفة لحقيقة من حقائق الكون، بل وعلم في واسع حكمته أنه سيأتي في متأخر الزمان من يكتشف التفسير العلمي لمزيد من أوجه الرهق والضيق الحسي التي كان يجدها الناس من زمان التنزيل ويشتمل عليها - تضمنا - وجه الشبه الذي تكلم به في هذا المقام، سبحانه وتعالى.
فلو جئنا في سياق التفسير وقصدنا إصابة مصلحة دعوية بإضافة بعض الإمعان في التفسير* (1) بأن نزيد بعد ذكر المعتمد من كلام أئمة التفسير في الآية، ذكرنا لما توصل إليه العلماء مؤخرا من السبب العلمي لشيء مما يجده الناس من الضيق في الصدر عند العلو (كسبب من الأسباب الكونية لتحقق معنى الامتناع والضيق الذي فهمه السلف من الآية على أكمل وجه)، وذلك من باب الإلماح إلى أن العلم الحديث لن يأتي أبدا بما يبطل معاني القرءان التي فهمها السلف الأول وخاطب الرب بها سائر الناس في كل زمان = فإن هذا خير ولا إشكال فيه!
ثم إن هناك فرقا جوهريا بين أن نتحداهم بأن يثبتوا كذب شيء من القرءان، فإذا ما جاءوا بدعوى من هذا أو شبهة يثيرونها مفادها أن العلم الحديث جاء بخلاف هذا النص أو ذاك أبطلناها لهم بالحجة الدامغة من لسان الأولين وفهمهم، وبين أن نقول نحن لهم ابتداءا في مقام الدعوة: تأملوا كيف خاطبنا الله في القرءان بهذه الحقيقة التي لم يعرف الناس تأويلها إلا مؤخرا!! الأول عندي هو الأصل في تحقيق معنى الإعجاز العلمي ولا ينازع فيه منازع من المسلمين .. وأما الثاني ففيه نظر وتفصيل، بدءا من تحقيق معنى التأويل ومناط الإعجاز أصالة (وهل يصح من هذا الوجه أم يوصف بأنه من دلائل صدق النبوة، كتأويل نبوءة كما في قوله تعالى عن الروم ((وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين)) أو خبر غيبي أو نحو ذلك)، ووصولا إلى تحقيق أصول التفسير والتفريق بين القطع والظن ولزوم سبيل المؤمنين في كل حالة من الحالات .. وهذا ما بسطه يربو عن المتسع في هذا المقام.
---------------
¥