فاحتجوا لما قاله الأول منهم بمرسل أو رواية عن صاحب نجدها في الأكثر لا تصح، أو تصح ونجد فيها خلافا من صاحب آخر، أوْ لا نجد؛ فأشاعوها في أتباعهم فتلقاها الأتباع عنهم وتدارسوها وتهادوها بينهم، وأذاعوها عند القلة الآخذة عنهم، فتداولوها على ألسنتهم ومجامعهم وفي تواليفهم وفي مناظراتهم بينهم أو مع خصومهم؛ فوسموها بالانتشار والاشتهار والتواتر، ونقل الكواف، وهي في أصلها هباء منبث وباطل مولد، أو خامل في مبدئه، وإن كان صحيحا لم يعر ف منتشرا قط.
فهذه صفة ما يدّعون فيه الانتشار والتواتر، كالخبر المضاف إلى معاذ رضي الله عنه في اجتهاد الرأي؛ فما عرفه قَط أحدٌ في عصر الصحابة، ولا جاء قَط عن أحدٍ منهم أنه ذكره، لا من طريق صحيحة ولا من طريق واهية، ولا متصلة ولا منقطعة، ولا جاء قَط عن أحد التابعين أنه عرفه ولا ذكره في رواية صحيحة ولا سقيمة، لا موصولة ولا مقطوعة، حتى ذكره أبو عون محمد بن عبيد الله وحده.
وإنما أخذه عن مجهولٍ لا يعرفه أحد، عن مثله فيما ادعى وزعم ذلك المجهول أيضا، فأخذه عن أبي عون فيما بلغنا رجلان فقط، شعبة وأبو إسحاق الشيباني، ثم اختلفوا أيضا في كافة لفظه ومعناه على أبي عون، فلما ظفر القائلون بالرأي عند شعبة وثبوا عليه وطاروا به شرقا وغربا، وكادوا يضربون الطبول حتى عرفه من لا يَعرف عن رسول الله (صلى الله عليه و سلم) كلمة، وادعوا فيه التواتر.
ومعاذ الله مِن هذا؛ فما أصله إلا مظلم ولا مخرجه إلا واه، ولا منبعثه إلا من باطل وتوليد موضوع مفتعل ممن لا يُعرف عمن لم يُسَمّ، و لم يُعرف قَط في عصر الصحابة ولا في عصر التابعين، ولا ذكره أحد منهم غير أبي عون بن عبيد الله الثقفي وحده كما ذكرنا، فهذه صفة جمهور ما يدعون فيه التواتر والانتشار، بل صفة جميعه ... ). اهـ ([25] ( http://majles.alukah.net/#_edn25))
و القائلون بشهرة ذلك الحديث و تواتره إنما أرادوا بهما الشهرة المعنوية و التواتر المعنوي؛ بشهرته في كتب أهل العلم و عند العلماء، و تلقي الأمة له بالقبول عصراً بعد آخر؛ كما قال ابن العربي و ابن قدامة، لا المعنى الاصطلاحي الخاص؛كما تَوَّهم ابن حزم. و لا مُشاحة في الأسامي بعد الاعتراف بالمعاني.
ـ[أمجد الفلسطيني]ــــــــ[26 - Jun-2010, مساء 10:39]ـ
بيان أوهام ابن حزم في إنكار حديث الاجتهاد
و لابن حزم الظاهري أوهامٌ عِدةُ، في ذلك الحديث المشهور المُحتَجّ به في كتب الأئمة:
1 – فأول أوهامه: قولُه في رسالته في " إبطال القياس " ([26] ( http://majles.alukah.net/#_edn26)) - : ( وما احتج به قَط أحدٌ من المتقدمين؛ لأن مخرجه واهٍ ضعيف)؛ ذكره ابن الملقن في " البدر المنير "، و استشهد به في توهينه، و كلاهما وَهَمَ فيه.
و لا شك في أن الإمام العَلَم الشافعي رضي الله عنه هو أحد الأئمة المتقدمين (ت 204 هـ) الذين ثبت احتجاجهم به، بل هو من كبار المتقدمين، مُحَدّث ٌ جليل و فقيهٌ كبير؛ ذَكَرَه الذهبي في " تذكرة الحُفّاظ "، و قال: الشافعي الامام العَلَم، حَبْر الأُمة. وقال أحمد: إن الله تعالى يقيِّض للناس في رأس كل مائة سنة من يعلمهم السنن، وينفي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الكذب، فنظرنا فإذا في رأس المائة عمر بن عبد العزيز، وفي رأس المائتين الشافعي؛ ذكره السيوطي في " طبقات الحفاظ ".
هذا فضلاً عن احتجاج مَن تقدم ذِكرهم من الأئمة بعده مِن الفقهاء و الحُفّاظ و المُحَدِّثين.
2 - و ثاني أوهامه: قولُه إن مخرجه واهٍ ضعيف، و هو مُعارَضٌ بقول الذهبي: هذا حديثٌ حسَن الإسناد، و كذا بقوله: إسناده صالح، و بقول ابن تيمية و ابن كثير بجودة إسناده، و لو كان مخرجه واهياً ضعيفا، لَما احتج به هذا الجَمع مِن الأئمة الكبار، و لَما غفلوا جميعهم أو جهلوا ما ادّعاه. و هذا ظاهر.
و قوله: (وأما خبر معاذ فإنه لا يَحلُّ الاحتجاج به لسقوطه ... ) فمردودٌ و منقوضٌ باحتجاج أولئك الأئمة الأجِلّة به.
و احتجاجهم بذلك الحديث ثابتٌ و مشهور في رواياتهم وكتبهم ومناظراتهم واستدلالاتهم؛ كما تقدّم و رأيت، ويمُتنع والحالة هذه اجتماعُ هؤلاء كلهم على الاحتجاج بما لا يَحِلّ و لا يَصِِحّ الاحتجاج به.
¥