ورجاله معروفون بالثقة، على أن أهل العلم قد نقلوه واحتجوا به فوقفنا بذلك على صحته عندهم كما وقفنا على صحة قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا وصية لوارث "، وقوله في البحر: " هو الطهور ماؤه الحل ميتته "، وقوله: " إذا اختلف المتبايعان في الثمن والسلعة قائمة تحالفا وترادا البيع "، وقوله: " الدية على العاقلة "، وإن كانت هذه الأحاديث لا تثبت من جهة الإسناد، ولكن لَما تلقتها الكافة عن الكافة؛ غنوا بصحتها عندهم عن طلب الإسناد لها؛ فكذلك حديث معاذ لَمّا احتجوا به جميعا غنوا عن طلب الإسناد له) انتهى كلامه)). اهـ
يعني: هذا القَدْر الذي نقله ابن القيم من كلام الإمام أبي بكر الخطيب
10 – و احتج به الإمام ابن كثير (ت 774 هـ) في عدم تقديم اجتهاد الرأي على الكتاب و السُنة، و تأخيره عنهما؛ لئلا يدخل في باب التقديم بين يدي الله ورسوله - و ذلك في تفسيره لقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم} [1: الحجرات] – فقال بعد أن ذكر الآيات الثلاث الأولي من سورة الحجرات: هذه آداب، أدّب الله بها عباده المؤمنين فيما يعاملون به الرسول صلى الله عليه وسلم من التوقير والاحترام والتبجيل والإعظام، فقال: {يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله}، أي: لا تسرعوا في الأشياء بين يديه، أي: قبْله، بل كونوا تبعاً له في جميع الأمور، حتى يدخل في عموم هذا الأدب الشرعي حديث معاذ، إذ قال له النبي صلى الله عليه وسلم حين بعثه إلى اليمن: (" بم تحكم؟ ". قال: بكتاب الله. قال: " فإن لم تجد؟ "، قال: بسنة رسول الله. قال: " فإن لم تجد؟ ". قال: أجتهد رأيي، فضرب في صدره، وقال: "الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله، لما يرضي رسول الله ").
وقد رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه. فالغرض منه أنه أخّر رأيه ونظره واجتهاده إلى ما بعد الكتاب والسنة، ولو قدّمه قبل البحث عنهما لكان من باب التقديم بين يدي الله ورسوله. انتهى كلام ابن كثير.
ب - و احتج به أيضاً في طلب تفسير القرآن بالسُنة - إن لم يوجد تفسير القرآن بالقرآن – و ذلك في بيان أحسن طرق التفسير، في مقدمة تفسيره المعروف – قال:
فإن قال قائل: فما أحسن طرق التفسير؟
فالجواب: إن أصح الطرق في ذلك أن يُفَسَّر القرآن بالقرآن، فما أُجْمِل في مكان فإنه قد فُسِّر في موضع آخر، فإن أعياك ذلك فعليك بالسنة فإنها شارحة للقرآن وموضحة له. و نقل ما قاله ابن تيمية في ذلك بلفظه ([24] ( http://majles.alukah.net/#_edn24)) - مما تقدّم ذِكره، و لم ينسبه - و فيه الاحتجاج بحديث معاذ رضي الله عنه، و قال: وهذا الحديث في المساند والسنن بإسناد جيد، كما هو مقرر في موضعه. اهـ
* * *
و بعد، فهؤلاء عشرةٌ من الأئمة الكبار اجتمعوا على الاحتجاج بحديث الصحابي معاذ في الاجتهاد. و حَسبك بهم في الاطمئنان إلى حجية الحديث، مع ما ذُكِر من تصحيحه و جودة إسناده.
و كفى باحتجاج حَبْر الأمة و إمام الأئمة الشافعي بذلك الحديث، و كذا احتجاج كلاً من الحافظ ابن عبد البر، و الخطيب البغدادي و تصحيحه، و هو الحافظ الكبير الإمام محدِّث الشام والعراق؛ كما قال الذهبي في " تذكرة الحُفاظ "، و قال: قال ابن ماكولا: كان أبو بكر الخطيب آخر الأعيان ممن شاهدناه معرفةً وحفظًا وإتقانًا وضبطًا لحديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وتفننًا في علله وأسانيده، وعلمًا بصحيحه وغريبه و فَرْدِه ومنكره ومطروحه. اهـ
* * *
دعاوى و مزاعم ابن حزم الظاهري
و مع ذلك الاجتماع المذكور على الاحتجاج بالحديث، و تصحيح الإمام أبي بكر الخطيب له، و روايته تحديث شُعبة بن الحجاج به، شَذّ ابن حزم و اشتَطّ، و قال: (ما أصله إلا مظلم ولا مخرجه إلا واهٍ، ولا منبعثه إلا من باطل وتوليد موضوع مفتعل). و أتى بدعاوى و مزاعم عجيبة، و مناكير كثيرة؛ فقال: (وأما دعواهم وقولهم في الاشتهار والانتشار، فطريف جدا، وإنما هم قوم أتى أسلافهم كأبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن، وعيسى بن أبان ونظرائهم، وكمالك وابن وهب وسحنون وإسماعيل ونظرائهم، وكالشافعي والمزني والربيع وابن شريح ونظرائهم،
¥