و ابن قدامة فقيهٌ كبير عالمٌ بالحديث؛ قال ابن رجب في ترجمته في " ذيل طبقات الحنابلة ": عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة بن مقدام بن نصر بن عبد الله المقدسي، ثم الدمشقي، الصالحي، الفقيه، الزاهد الِإمام، شيخ الإسلام، وأحد الأعلام، موفق الدين أبو محمد. و قال: قال عمر بن الحاجب الحافظ في معجمه: (هو إمام الأئمة، ومفتي الأمة. خصه الله بالفضل الوافر، والخاطر الماطر، والعلم الكامل. طنت في ذكره الأمصار، وضنت بمثله الأعصار. قد أخذ بمجامع الحقائق النقلية والعقلية. فأما الحديث: فهو سابق فرسانه. وأما الفقه: فهو فارس ميدانه ... ). اهـ

8 – و كذلك احتج بالحديث الإمام ابن تيمية (728 هـ)، في بيان أحسن طرق التفسير، و أنها بطلب تفسير القرآن بالقرآن، فإن لم يوجد ذلك فَمِن السُنة؛ قال: (فإن قال قائل: فما أحسن طرق التفسير؟ فالجواب: أن أصح الطرق في ذلك أن يفسر القرآن بالقرآن؛ فما أُجمل في مكان فإنه قد فُسّر في موضع آخر، وما اختصر من مكان فقد بسط في موضع آخر، فإن أعياك ذلك فعليك بالسنة فإنها شارحة للقرآن وموضحة له، بل قد قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي: كل ما حكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو مما فهمه من القرآن؛ قال الله تعالى: {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما}. وقال تعالى: {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون}. وقال تعالى: {وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون}، ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه ". يعني السنة.

والسنة أيضا تنزل عليه بالوحي كما ينزل القرآن؛ لا أنها تتلى كما يتلى، وقد استدل الإمام الشافعي وغيره من الأئمة على ذلك بأدلة كثيرة ليس هذا موضع ذلك.

– قال -: والغرض أنك تطلب تفسير القرآن منه، فإن لم تجده فِمن السنة كما (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: بم تحكم؟ قال: بكتاب الله. قال: فإن لم تجد؟ قال بسنة رسول الله. قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي. قال: فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدره، وقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله "). وهذا الحديث في المساند والسنن بإسناد جيد). انتهى كلام ابن تيمية.

[مقدمة التفسير، من " مجموع الفتاوى "، موقع مجمع الملك فهد]

و احتجاج ابن تيمية بذلك الحديث ظاهر، و قد قال عقبه: (وهذا الحديث في المساند والسنن بإسنادٍ جيد).

9 – و احتج به الإمام ابن القَيِّم (ت 751 هـ) في كتابه " إعلام الموقّعين " – في (فصل:

حديث معاذ في القياس)؛ قال: ((وقد أقرّ النبي صلى الله عليه وسلم معاذاً على اجتهاد رأيه فيما لم يجد فيه نصاً عن الله ورسوله؛ فقال شعبة: حدثني أبو عون عن الحارث بن عمرو عن أناس من أصحاب معاذ عن معاذ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعثه إلى اليمن قال: " كيف تصنع إن عرض لك قضاء؟ قال: أقضي بما في كتاب الله. قال: فإن لم يكن في كتاب الله؟ قال: فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فإن لم يكن في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: أجتهد رأيي لا آلو. قال: فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم صدري، ثم قال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضى رسول الله صلى الله عليه وسلم ". فهذا حديثٌ وإن كان عن غير مُسَمّين فهُمّ أصحاب معاذ فلا يضره ذلك؛ لأنه يدل على شهرة الحديث، وأن الذي حدّث به الحارث بن عمرو عن جماعةٍ من أصحاب معاذ، لا عن واحدٍ منهم، وهذا أبلغ في الشهرة من أن يكون عن واحد منهم لو سُمّي، كيف وشهرة أصحاب معاذ بالعلم والدين والفضل والصدق بالمحل الذي لا يخفى، ولا يُعرف في أصحابه متهمٌ ولا كذاب ولا مجروح، بل أصحابه من أفاضل المسلمين وخيارهم، لا يشك أهل العلم بالنقل في ذلك، كيف وشعبة حامل لواء هذا الحديث، وقد قال بعض أئمة الحديث: " إذا رأيتَ شعبةَ في إسناد حديث فاشدد يديك به "، قال أبو بكر الخطيب: (وقد قيل إن عبادة بن نسى رواه عن عبد الرحمن بن غنم عن معاذ، وهذا إسناد متصل

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015