* قيل له: هذا غلط، وذلك لأن استعمال الرأي والاجتهاد وردّ الحوادث إلى نظائرها من المنصوص قد كان جائزا في حياة النبي صلى الله عليه وسلم في حالين ولم يكن يجوز في حال؛ فأما الحالان اللتان كانتا يجوز فيهما الاجتهاد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم: فإحداهما في حال غيبتهم عن حضرته، كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم معاذا حين بعثه إلى اليمن فقال له: (كيف تقضي إن عرض لك قضاء؟ قال: أقضي بكتاب الله، قال: فإن لم يكن في كتاب الله؟ قال: أقضي بسنة نبي الله، قال: فإن لم يكن في كتاب الله ولا في سنة رسول الله؟ قال: أجتهد رأيي لا آلو، قال: فضرب بيده على صدره وقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله)؛ فهذه إحدى الحاليْن اللتيْن كان يجوز الاجتهاد فيهما في حياة النبي صلى الله عليه وسلم)). انتهى كلام الجصاص.

و هو فقيه مجتهد انتهت إليه رياسة الحنفية في بغداد ([20] ( http://majles.alukah.net/#_edn20)). و كان حديث معاذ رضي الله عنه في الاجتهاد عمدته في ذلك الاحتجاج.

3 – و احتجّ به أقضى القُضاة الإمام أبو الحسن الماوردي (ت 450 هـ) في كتابه " الحاوي " الكبير، في عدّة أمور:

أ – احتج به في ذِكْر دليل السُنة على وجوب القضاء؛ ففي (القول في حكم القضاء)، من كتاب أدب القاضي؛ قال: الأصل في وجوب القضاء وتنفيذ الحكم بين الخصوم كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وإجماع الأمة عليه.

الدليل من الكتاب: قال الله تعالى: {ياداود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله}. [ص: 26] الآية.

و ذَكَر أدلة أخرى من القرآن و ذكر تفسيرها، ثم ذَكر دليل السُنة، و قال:

(وأمّا السنة: فروى بشر بن سعيد عن أبي قيس عن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " وإذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر "، ورواه أبو سلمة عن أبي هريرة. فجعل له في الإصابة أجريْن أحدهما على الاجتهاد والآخر على الإصابة، وجعل له في الخطأ أجراً واحدا على الاجتهاد دون الخطأ. وروى أبو هاشم عن ابن بريدة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " القضاة ثلاثة: اثنان في النار وواحد في الجنة: قاضٍ عرف الحق فقضى به فهو في الجنة، وقاض قضى بجهل فهو في النار، وقاض عرف الحق فجار فهو في النار ". وروى عمرو بن الأسود عن أبي أيوب الأنصاري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، إن الله مع القاسم حين يقسم ومع القاضي حين يقضي، وروى ابن عون الثقفي عن الحارث بن عمرو عن أصحاب معاذ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: " كيف تقضي إن عرض لك قضاء؟ ". قال: أقضي بكتاب الله، قال: " فإن لم يكن في كتاب الله " قال بسنة رسول الله. قال: " فإن لم يكن في سنة رسول الله ". قال: أجتهد رأيي ولا آلو، قال: فضرب صدره وقال: " الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله "). اهـ و الاحتجاج بالحديث ظاهر.

ب – و كذا احتجّ به في ذِكر الدليل على أن الاجتهاد له أصلٌ يعتمد عليه في أحكام الشرع؛ قال في (فصل القياس): (فأما الأصل الرابع من أصول الشرع وهو القياس فله مقدمتان: إحداهما: الاجتهاد. والثانية: الاستنباط. فأما الاجتهاد: فهو مأخوذ من إجهاد النفس وكدّها في طلب المراد به. كما أن جهاد العدو من إجهاد النفس في قهر العدو، والاجتهاد هو طلب الصواب بالأمارات الدالة عليه.

وزعم ابن أبي هريرة [الشافعي] أن الاجتهاد هو القياس ونسبه إلى الشافعي من كلام اشتبه عليه في كتاب الرسالة. والذي قاله الشافعي في هذا الكتاب: أن معنى الاجتهاد معنى القياس ([21] ( http://majles.alukah.net/#_edn21)) . يريد به أن كل واحد منهما يتوصل به إلى حكم غير منصوص عليه. والفرق بين الاجتهاد والقياس: أن الاجتهاد هو ما وصفناه من أنه طلب الصواب بالأمارات الدالة عليه، والقياس هو الجمع بين الفرع والأصل لاشتراكهما في علة الأصل، فافترقا، غير أن القياس يفتقر إلى اجتهاد، وقد لا يفتقر الاجتهاد إلى القياس على ما سنوضحه، فلذلك جعلنا الاجتهاد مقدمة للقياس. والدليل على أن الاجتهاد له

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015