وَعَنْ أَبِي زُرْعَةَ الرَّازِيِّ، قَالَ: مَا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ حَدِيْثٌ فِيْهِ غَلَطٌ.
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ: مَا أَعْلَمُ لِلشَّافِعِيِّ حَدِيْثاً خَطَأً.
قُلْتُ – أي الذهبي -: هَذَا مِنْ أَدَلِّ شَيْءٍ عَلَى أَنَّهُ ثِقَةٌ، حُجَّةٌ، حَافِظٌ، وَنَاهِيْكَ بِقَوْلِ مِثْلِ هَذَيْنِ.
وَقَدْ صَنَّفَ الحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الخَطِيْبُ كِتَاباً فِي ثُبُوتِ الاحْتِجَاجِ بِالإِمَامِ الشَّافِعِيِّ. اهـ
هذا و قد أفاض الإمام الشافعي في الكلام في معنى الحديث و مقصوده بالاجتهاد و موضعه. و تقدم ذكر هذا آنفا. و بيانه في موضعه من كتابه لِمَن أراد المَزيد.
* * *
2 - و احتج بذلك الحديث أيضا شيخ الحنفية الإمام أبو بكر الرازي، الجصاص (ت 370 هـ) في كتابه " أحكام القرآن "، في أن (استعمال الرأي والاجتهاد ورَدّ الحوادث إلى نظائرها من المنصوص قد كان جائزاً في حياة النبي صلى الله عليه وسلم في حاليْن، إحداهما في حال غيبتهم عن حضرته)؛ ذكَره في (باب في طاعة أولي الأمر: قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم}). و ذكَر أن المراد بأولي الأمر هنا: العلماء و الفقهاء؛ بدلالة قوله تعالى عقيبه: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول}، و احتجّ بحديث معاذ رضي الله عنه في جواز استعمال الاجتهاد في حياة النبي صلى الله عليه و سلم حال غيبة الصحابة عن حضرته.
و في تفصيل ذلك قال:
((وقوله تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول}: روي عن مجاهد وقتادة وميمون بن مهران والسدي: " إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ".
قال أبو بكر [الجصاص]: وذلك عمومٌ في وجوب الرد إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، في حياة النبي وبعد وفاته صلى الله عليه وسلم.
والرد إلى الكتاب والسنة يكون من وجهين: أحدهما: إلى المنصوص عليه المذكور باسمه ومعناه، والثاني: الرد إليهما من جهة الدلالة عليه واعتباره به من طريق القياس والنظائر؛ وعموم اللفظ ينتظم الأمريْن جميعا، فوجب إذا تنازعنا في شيء رده إلى نَصّ الكتاب والسنة إن وجدنا المتنازع فيه منصوصا على حكمه في الكتاب والسنة، وإن لم نجد فيه نَصاً منهما وجب رده إلى نظيره منهما؛ لأنا مأمورون بالرد في كل حال؛ إذ لم يخصص الله تعالى الأمر بالرد إليهما في حال دون حال.
وعلى أن الذي يقتضيه فحوى الكلام وظاهره الرد إليهما فيما لا نص فيه، وذلك لأن المنصوص عليه الذي لا احتمال فيه لغيره لا يقع التنازع فيه من الصحابة مع علمهم باللغة ومعرفتهم بما فيه احتمال مما لا احتمال فيه، فظاهِر ذلك يقتضي رد المتنازع فيه إلى نظائره من الكتاب والسنة.
فإن قيل: إنما المراد بذلك ترك التنازع والتسليم لما في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قيل: إن ذلك خطاب للمؤمنين؛ لأنه قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول}، فإن كان تأويله ما ذكرت فإن معناه: اتبعوا كتاب الله وسنة نبيه وأطيعوا الله ورسوله؛ وقد علمنا أن كل من آمن ففي اعتقاده للإيمان اعتقاد لالتزام حكم الله وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم؛ فيؤدي ذلك إلى إبطال فائدة قوله تعالى: {فردوه إلى الله والرسول} وعلى أن ذلك قد تقدم الأمر به في أول الآية، وهو قوله تعالى: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول} فغير جائز حمل معنى قوله تعالى: {فردوه إلى الله والرسول} على ما قد أفاده بدياً في أول الخطاب، ووجب حمله على فائدة مجددة وهو رد غير المنصوص عليه وهو الذي وقع فيه التنازع إلى المنصوص عليه؛ وعلى أنا نرُدّ جميع المتنازع فيه إلى الكتاب والسنة بحق العموم، ولا نخُِرج منه شيئا بغير دليل.
فإن قيل: لمّا كانت الصحابة مخاطبين بحكم هذه الآية عند التنازع في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وكان معلوما أنه لم يكن يجوز لهم استعمال الرأي والقياس في أحكام الحوادث بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم بل كان عليهم التسليم له واتباع أمره دون تكلف الرد من طريق القياس، ثبت أن المراد استعمال المنصوص وترك تكلف النظر والاجتهاد فيما لا نص فيه.
¥