وقوله: (لا آلو) معناه لا أقصر في الاجتهاد، ولا أترك بلوغ الوسع فيه. انتهى كلام الخطابي.

و فيه دليلٌ على حُجّية الحديث عنده، و الاحتجاج به في إثبات القياس، و إيجاب الحُكم به.

جـ - و في (باب اجتهاد الرأي على الأصول عند عدم النصوص في حين نزول النازلة)، من كتابه " جامع بيان العلم "؛ قال الحافظ ابن عبد البر – بعد أن خرَّج الحديث و شواهده -: هذا يوضح لك أن الاجتهاد لا يكون إلا على أصول يُضاف إليها التحليل والتحريم، وأنه لا يجتهد إلا عالمٌ بها، ومَن أشكل عليه شيء لزمه الوقوف، ولم يَجُزْ له أن يحيل على الله قولاً في دينه لا نظير له من أصل ولا هو في معنى أصل، وهو الذي لا خلاف فيه بين أئمة الأمصار قديما وحديثا فتدبره. اهـ

و أَمّا جاء من آثارٍ في ذمّ الرأي و التحذير منه، فالمراد به الرأي الذي لا أصل له من الكتاب أو السُنّة، و كذا الرأي المخالف للكتاب و السنة، و لذا كانت القاعدة المقررة في الأصول أنه: لا اجتهاد مع النص. أي لا اجتهاد في مقابلة النص و مخالفته؛ كما قال القرطبي في " تفسيره ". فهذا هو الرأي المذموم في الشرع.

و لو فطن ابن حزم الظاهري ([19] ( http://majles.alukah.net/#_edn19)) لهذه المعاني و الشروط، لَمَا وَهَم و زَعَم أن ذلك الحديث ظاهر الكذِب و الوَضْع، و لِعل تعصبه لنُصرة مذهبه في إنكار القياس دفَعه لإنكار الحديث و ادعاء ما ادعاه من أوهامٍ في كتابه " الإحكام "! و سيأتي بيانه، و رَدّ دعاواه و كشف شُبهاته؛ إن شاء الله.

(فصل) في بيان احتجاج كبار الأئمة بحديث اجتهاد الرأي

احتجّ عددٌ كبير مِن كبار الأئمة الفقهاء و المُحَدِّثين و الحُفّاظ بحديث الاجتهاد هذا في عدة أمور؛ كالإمام الحُجة محمد بن إدريس الشافعي و الجصاص و الماوردي و الحافظ ابن عبد البر و الخطيب البغدادي و ابن العربي و ابن قُدامة المقدسي و ابن تيمية و ابن القيّم و ابن كثير، و ليس الغرض هنا الانتصار لواحدٍ من هذه الأمور، و لكن الغرض إظهار وقوع الاحتجاج بالحديث و ثبوته، و بيان ذلك على سبيل التفصيل و التطويل؛ قطعاً للشك، و حسماً لمادة النزاع:

1 – احتَجّ بالحديث الإمام العَلَم محمد بن إدريس الشافعي (ت 204 هـ) – إمام الأُمة، و صاحب المذهب المعروف – في كتابه " الأُم "، في أن (الاجتهاد من الحاكم إنما يكون بعدَ أن لا يكون فيما يريد القضاء فيه كتابٌ ولا سُنة ولا أمر مجتمع عليه)؛ ففي كلامه في (الإقرار و الاجتهاد و الحُكم بالظاهر، من كتاب الأقضية): (قال الشافعي) رحمه الله تعالى: أخبرنا الدراوردى، عن يزيد بن عبد الله بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم بن الحرث، عن بشر بن سعيد، عن أبى قيس مولى عمرو بن العاص، عن عمرو بن العاص أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر) قال يزيد: فحدثتُ بهذا الحديث أبا بكر بن حزم فقال: هكذا حدثنى أبو سلمة بن عبد الرحمن عن أبى هريرة.

(قال الشافعي) رحمه الله تعالى: ومعنى الاجتهاد من الحاكم إنما يكون بَعدَ أن لا يكون فيما يريد القضاء فيه كتابٌ ولا سُنة ولا أمر مجتمع عليه، فأما وشيء من ذلك موجود فلا.

* - قال: - فإن قيل: فمن أين قُلتَ هذا وحديث النبي صلى الله عليه وسلم ظاهره الاجتهاد؟ قيل له: أقرب ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل: (" كيف تقضى؟ " قال: بكتاب الله عزوجل. قال: " فإن لم يكن؟ "، قال: فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: " فإن لم يكن؟ "، قال: أجتهد رأيى. قال: " الحمد لله الذى وفق رسول رسول الله لما يحب رسول الله ") فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الاجتهاد بَعدَ أن لا يكون كتاب الله ولا سنة رسوله.

ولقول الله عزوجل: {وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول}، وما لم أعلم فيه مخالفاً من أهل العلم). انتهى كلام الشافعي. و احتجاجه بالحديث ظاهر، و حَسْبكَ به.

و في ترجمة الذهبي للإمام الشافعي في " السِّيَر ": قَالَ إِبْرَاهِيْمُ الحَرْبِيُّ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ عَنِ الشَّافِعِيِّ، فَقَالَ: حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ، وَرَأْيٌ صَحِيْحٌ.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015