على كل حال، وبغض النظر عن منشأ العلاقة بين التصعد في السماء والمشقة: لا شك أن ثمَّ معنىً معيناً كان معهوداً للعرب الأولين بحيث جاز تشبيه الكافر في ضيق صدره بالأسلام بمن يصعد في السماء. وإلا كان التشبيه غير ذي معنى كما أسلفنا. وهذا القدر متفق عليه بيننا، ولا خلاف فيه.

3. أثبت العلماء التجريبيون حديثاً أن نسبة الأكسجين تقل بالصعود في السماء، وأن الضغط الجوي ينخفض، فيؤدي إلى خلل في أجهزة الجسم ووظائفها، وهو من جملة المشقات التي تصاحب الصعود. فمن ‘أراد أن يصعد قمة إيفيرست مثلاً ‘‘مطالب بأخذ الاحتياطات اللازمة لذلك، من أكسجين، وغيره.

4. ‘هذا العائق الجديد الذي هو نقصان الأكسجين في طبقات الجو العليا ‘‘ليس من جنس العائق الأول الذي هو تسارع الأنفاس والجهد والإعياء الذي يصيب النفس عند الصعود، أو لعلنا نقول إن هذا العائق الجديد ليس من جنس العائق الأول الذي عرفته العرب، والذي جرى التمثيل به.

5. ثم إن هذا العائق الجديد، أو المشقة الجديدة لم تكن معروفة ولا معهودة للعرب الأولين، فهل يجوز حمل الآية عليها، أو جعلها مقصودة في الآية؟ أو مما تحتمله الآية؟

لا شك عندي في بطلان حمل الآية على هذا المعنى، ولا شك عندي في أنه غير مقصود بالإشارة في الآية، ذلك أن العبرة بمعنى هذا اللفظ "يصعد في السماء" إنما هو بما بما عرفه العرب الأولون وعهدوه، وبما نفهمه من معنى هذا اللفظ على معهود العرب الأولين، ولا عبرة بما يستجد من معان لهذه الألفاظ أو لوازم ذهنية عند من جاء بعدهم.

وهذه فائدة شريفة في فقه اللغة (أي لغة): العبرة في الألفاظ ومعانيها ولوازمها إنما هي بمعهود أهل ذلك اللسان، في ذلك العصر الذي قيلت، ولا عبرة بما يستجد من معانٍ ولوازم لهذه الألفاظ عند من جاء بعدهم. ولذلك تجد المفسرين الأولين إذا ‘حملوا الآية على معنى ما، أو على وجه من وجوه التأويل ‘‘جاؤوا من كلام العرب الأولين وأشعارهم بما يشهد لهذا المعنى دون ذاك.

ثم لي أن أسلك في هذا مسلك المعارضة فأقول:

ولو جوَّزنا حمل (يصعد في السماء) على المعنى الجديد الذي جاءنا به العلم الحديث، فليس لنا أن نمنع من أراد حمل بعض ما ورد في شعر العرب الأولين وكلامهم على ما كشف عنه العلم الحديث، كأن نقول مثلاً في قول الشاعر:

أدميت باللحظات وجنته ... فاقتص ناظره من القلب

المعنى المعروف على معهود أهل اللسان أن الشاعرة كنى عن حمرة الخجل بالإدماء، وكنى عن وقوعها في قلبه بالقصاص. وحمرة الخجل في الوجنتين معروفة.

الآن ما يمنعنا أن ندَّعيِ أنَّ الشاعِرَ أشارَ إلى حقيقةٍ علميَّةٍ لم تكن معروفةً في ذلك العصرِ، حتى جاءَ العلمُ الحديثُ فكَشَفَ عنها، ألا وهي أنَّ احمرارَ الوَجْنَتَين خَجَلاً مُسَبَّبٌ عن تجَمُّعِ الدِّماءِ في تلك المِنطقَةِ واحتقانها فيها، فتَتَلَوَّنُ الوجنتان باللونِ الأحمرِ، وهو ما أشارَ إليه الشَّاعرُ في قولِه "أدميتُ" أو "جَرَحْتُ". وقد كشفَ العلمُ الحديثُ عن أنَّ ضَخَّ الدَّمِ إلى هذه المناطقِ يزدادُ عندَ الشُّعورِ بالخجلِ، فيُؤَدِّي إلى احمرارِها، وهو أمرٌ لم يكن معهوداً لِلْعَرَبِ ولا معروفاً لهم، وقد يكونُ السَّبَبُ في احمرارِ الوجنتين أمراً آخرَ غيرَ هذا، فإذا ما كشفناه وعرفنا سِرَّه، فما من أَحَدٍ يقوى على منْعِنا من ادِّعاءِ أنَّ الشَّاعرَ قد رمى إلى هذا المعنى، وقصدَ الإشارةَ إليه، والتَّنبيهَ عليه، إلاّ أنَّ العَرَبَ الأوَّلين فهموا مُرادَ الشَّاعرِ بحسبِ معهودِهم في ذلك الوقتِ، ثم لمّا جاء العلمُ الحديثُ زاد في إيضاحِ هذا المعنى وتقريرِه، وأضاف إليه فائدة أخرى جديدة.

إذا جوزنا هذا في القرآن فما ينبغي أن ننكره في شعر العرب وكلامها، لأن تفسيرنا لكلام الشاعر، وإضافة فائدة أخرى إليه، هي من جنس ما أضافوه إلى تفسير القرآن.

وعلى نفس النسق: بإمكاني أن أدعي – مثلاً- أن اختيار الشاعر للجام في تشبيه الثريا به في قوله:

كأن الثريا في أواخر ليلها ... تفتح نور أو لجام مفضض

أو اختيار الشاعر لليل الذي تتهاوى كواكبه في تشبيه ساح المعركة به في قوله:

كأن مثار النقع حول رؤوسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه

جاء لحكمة ما أو غرض ما أو عجيبة ما من عجائب شعر العرب لم يقف عليها الأولون ولم يحتاجوا إلى معرفتها ..... إلخ، وعل هذه الحكمة إن لم نتبينها الآن تنكشف لنا في مستقبل الزمان، وبما سيسوقه لنا العلم الحديث من كشوفٍ أخرى جديدة.

ليس هذا بممتنع أخي الكريم، فالحديث إنما هو في دلالة الألفاظ على المعاني، وإذا كان من الجائز حمل ألفاظ القرآن على ما يستجد من معانٍ، فلا مانع من حمل شعر العرب وكلامها على ما يستجد من معانٍ، مثلاً بمثلٍ وسواءً بسواءٍ.

الحديث حتى الآن إنما هو في تفسير القرآن، وجواز حمل الآية على معنى جديد لم يكن معروفاً ولا معهوداً للأولين الذين نزل القرآن بلسانهم. وليس في الإعجاز العلمي.

والذي أراه حقاً أنه لا يجوز حمل الآية على هذا المعنى الجديد لما أسلفتُ.

فإذا لم يكن صواباً أن يعدَّ هذا وجهاً من وجوه تفسير الآية، فبطلان القول بالإعجاز العلمي فيها من باب أولى.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015