وهذا ما يجعل توجيه الخطاب في الدروس والخطب من إشكاليات هذا الزمان التي تحتاج إلى دراسة موسعة في فقه الدعوة ..
ولكن في المقابل فإنه ينبغي تحذير العوام من الدخول فيما لا يحسنون - وهذا أصل المفسدة!!
فما أكثر ما يختلف طلبة العلم في ملتقياتهم في صحة حديث وضعفه - مثلا - فالذي يأخذ هذا الحديث دون أن يكون ملما - على الأقل - بوجود هذا الخلاف في درجته بين العلماء (وبالتبعية: بين طلبة العلم في المنتديات الشرعية) فيحتج به على فاسق أو كافر والحالة هذه = هذا هو الملوم وهو المخطئ .. ولا نقول لطلبة العلم في ذلك الملتقى إن المصلحة الشرعية تقتضي أن تتخبأوا بمدارساتكم العلمية ولا تجعلوها حيث يمكن أن يسمعكم فاجر أو كافر أو نحوهما! فالأصل في هذه المنتديات والملتقيات العلمية أنها لا يتابع تلك المباحثات فيها ولا يصبر على ذلك إلا من كانت لهم عناية بهذا الشأن من طلبة العلم ومن في حكمهم. فهؤلاء المصلحة راجحة في اجتذابهم والانتفاع بما عندهم إن شاركوا. ومن جاءنا من الكفار يقول لنا إن من علمائكم من يقول ببطلان كذا وكذا فلا تلزموني به، رددنا عليه بحسبه وبحسب ذلك القول نفسه ..
فائدة أخرى:
قد يقول القائل: "لعل دخول الكافر الإسلام وهو يظن أن مناط التشبيه ههنا - مثلا - هو ما قاله الإعجازيون = أفضل من عدم دخوله الإسلام وهو يظن أن الآية ليست في ذلك من شيء! "
ونقول لهذا القائل إن الداعية الذي لا إلمام له بكلام علماء التفسير بإبطال دعوى واحد من باحثي الإعجاز في تأويل آية من الآيات، هذا هو الملوم على اختياره ذلك الكلام المردود (أو المختلف فيه على الأقل) ليجعله وسيلة لدعوة الكافر إلى الإسلام .. فحجج القرءان الدامغة ومعجزاته الباهرة لن تتوقف على هذا التفسير الإعجازي لتلك الآية ..
/// ولعل هذا من المفاسد التي ينبغي أن يتنبه لها الباحثون في الإعجاز! فهم كلهم يجعلون همهم استخراج ما به يدعون الكفار إلى الإسلام .. وهذا قصد حسن ومطلوب ولا شك، ولكن ما أكثر ما يقعون فيه من كذب على القرءان، سواء من جهة الجهل باللغة وأصول التفسير، أو من جهة الجهل بحقيقة النظرية العلمية نفسها التي راحوا يزعمون أن الله تكلم في هذا النص تحديدا بما يوافقها! فإذا ما سقطت تلك النظرية وقام في مكانها تنظير جديد في الفيزياء أو الكيمياء أو الجيولوجيا، سقطت المعجزة وبطلت!! وهذا التقلب في علوم الطبيعيات وترك نظرية سائدة ووضع أخرى جديدة في مكانها يجري كل يوم، إذ فلسفة العلوم الطبيعية تقوم على التشكك Skepticism وهو القول بأنه لا يمكن أن يقع إجماع تام نهائي على قبول نظرية طبيعية. فالنظرية هي طرح تفسيري فلسفي لجملة من الحقائق والظواهر الطبيعية وليست حقيقة علمية في ذاتها .. لذا فكل نظرية علمية طبيعية مهما اتفق عليها أصحابها فإنها معرضة ولابد للأخذ والرد وظهور ما يفضلها في مكانها، وقد رأينا كيف كان علماء الفيزياء قبل نيوتن يؤمنون بفكرة الأثير ويتفقون على قبولها، ثم تغير مذهبهم جميعا من بعده وقالوا بمفهوم الماكينة الكونية، ثم جاء أينشتاين وقلب لهم ما سبق أن اتفقوا عليه بنظريته النسبية، ثم ها هم اليوم يشككون فيما زعمه أينشتاين من ثبات سرعة الضوء - وهي أصل النسبية العامة - وكان أمرا مجمعا عليه عندهم قبل بضعة عقود من الزمان، وهكذا دواليك ..
ونظريات نشأة الكون (مثلا) هي من هذا القبيل! ليست علما قطعيا عرفناه بالحس والمشاهدة، وإنما هي تنظير فلسفي للوصول إلى تفسير جامع لبعض الظواهر الطبيعية في الكون .. فذهاب إخواننا الفلكيين لاستنطاق القرءان بما يوافق نظرية الانفجار الكبير - مثلا - لمجرد أن سائر علماء الكوزمولوجيا الآن يقبلونها (إذ لا يجدون الآن نظرية أفضل منها)، هذا خطأ كبير، وعدوان على القرءان، بصرف النظر عن فهم السلف لآحاد الآيات التي جعلوها موافقة لهذه النظرية ..
ولهذا فإن التحرير الابتسمولوجي لحقيقة العلم القطعي الحسي في العلوم الطبيعية أصبح أمرا ينبغي أن يطلبه علماء الطبيعيات من المسلمين في زماننا وأن يجهدوا فيه جهدهم، وكذا علماء التفسير، حتى لا يتعرض القرءان لأن يأتي كافر غدا ويقول: كذب ربكم، فقد ثبت بطلان هذه النظرية التي زعمتم أنه يتكلم بما يوافقها أو "يشير" إليها! وهذا مسلك الملاحدة في زماننا كما لا يخفى عليكم في إسقاط النصوص الدينية في كل ملة لها كتاب موروث!
/// فالقصد أن الحق لا ندعو إليه إلا بالحق ..
ما كان تفسيرا اجتهاديا يضيفه صاحبه إلى جملة أقوال من سبقوه، فليعرضه عند عرضه على اللناس على أنه كذلك، وليحرر الخلاف بوضوح! ولكن الإعجازيين كثير منهم لا يرى نفسه مجتهدا في التفسير بما يشهد بأنه ظن يحتمل الخطأ، وإنما يرى أنه قد توصل أخيرا إلى معجزة تخدم الدعوة في هذا الزمان، فلا يلبث أن يطير باكتشافه هذا كل مطار، ولا يعنيه كلام من سبقوه في قليل أو كثير، بل إنه قد يرى المصلحة الدعوية - في ظنه - في إخفاء هذا الخلاف أصلا حتى لا يكون حجة عليه!
ولهذا اعتنيتُ في هذه الصفحة بضرورة تحرير الفرق بين ما يمكن أن يوصف بأنه تفسير علمي، وما يوصف بأنه "إعجاز علمي" .. وهذا تحرير اصطلاحي دقيق قلما أجده في مصنفات المعاصرين في هذه البابة، ولعلي أفرغ لتحريره في موضوع مستقل إن يسر الله تعالى. ولكن القصد أن الداعية الفطن العليم ينبغي أن يمعن النظر فيما يستعين به من أبحاث الإعجازيين، حتى لا ينقلب السحر على الساحر، ويفسد من حيث يروم الخير!
/// وأما الكافر الذي دخل في الإسلام بناءا على ما ظنه إعجازا في القرءان وليس كذلك، فنقول الحمد لله الذي أدخله في الإسلام على أي حال، ومع متابعته بالتعليم وتأصيل التوحيد عنده وترسيخ إيمانه - وليس الاكتفاء بنطقه بالشهادتين كما يكون من كثير من المشتغلين بدعوة الكفار بكل أسف - فإنه إن تبين له فيما بعد أن هذا الذي كان يظنه من معجزات القرءان ليس كذلك في الحقيقة أو أنه في تأويله خلاف، لم يضره ذلك في شيء .. فإنه من يهده الله فلا مضل له .. ومن انشرح صدره للحق وأراد الله به خيرا فلا يضره ما يجده من سقوط دعوى الإعجاز في هذه الآية أو تلك، والحمد لله رب العالمين.
¥