ولا يوجد خلاف في ذلك بين المتقدمين والمتأخرين، وإنما زيادة تفصيل هنا وهناك.

ولا حرج أن يقول أهل العصر: من أسباب المشقة نقصان الأكسجين!

وكون نقصان الأكسجين يصل بالمتصعِّد إلى درجة الموت عند النقطة التي لم يعرفها القدماء، أو أن قوانين الجاذبية تعوِّق الصعود، أو غير ذلك من المستجدَّات العلمية، هي أمور تحسب للقرآن، ولا إشكال في الإشادة بعدم تعارض النص القرآني معها!

وهذه الزيادات في التفاصيل أمر طبيعي، لأن القرآن لا تفنى عجائبه!

ومثاله: آيات الربا؛ فنحن ندرك اليوم من آثار الربا على الاقتصاد المحلي والعالمي ما لم يكن يدركه القدماء، وإن كان لا يخفى عليهم بالمرَّة.

ونكتشف في عسل النحل فوائد لم يعرفها القدماء مع أنها لم تكن تخفى عليهم بالمرَّة.

وكذلك في الآيات الكونية.

وفي تحريف اليهود والنصارى للتوراة والإنجيل.

إلى آخر الإمثلة التي لا تنتهي

وكله يدخل في باب التدبُّر المأمور به.

ولكن الأخ بكر - وفقه الله - يبدأ كلامه (بنقص الأكسجين) ليتحقق المطلوب وهو التشنيع على أهل العصر! واختصار كلام الخصم وطيِّه عن القارئ هو إحدى المغالطات الجدلية المشهورة! وكان ينبغي أن يستشهد بكلام أحد القائلين بالأمر، كاملاً بين أقواس التنصيص، ليكون النقد له على بصيرة!

فهل قالوا حقًّا: إن القدماء جهلوا معنى الآية، لأنهم لم يعرفوا نقص الأكسجين؟!

أم قالوا ما حاصله: المعنى مفهوم من الأصل، وقد ازداد وضوحاً في عصرنا، وجاءوا بالمفهوم العلمي على سبيل التعزيز للتفسير الأول؟!

نعم، هناك ضرب مرفوض من التفسير العلمي للقرآن (وكذلك التفسير السياسي ووالتفسير المذهبي والتفسير الصوفي والتفسير الباطني والتفسير الرقمي ... إلخ)، والجامع بين التفاسير المرفوضة أنها تحمِّل النص ما يحتمل!

ولا شكّ بأن مبالغة المفسِّر في إحدى هذه الطرائق توقعه في التساهل والخطأ والتهوّر.

وأضرب مثالاً يجمع بين التفسير العلمي المقبول والمردود (في رأيي المتواضع!)، وهو تفسير الأستاذ زغلول النجار لآية الحديد: فهو يقول: خصَّ الحديد يالإنزال لأنه صُنع في أعماق النجوم تحت الضغط الهائل (وهي نظرية علمية مشهورة). فهذا التفسير لا يتعارض مع النص (وأنزلنا)، ولا يُستنكر على الأستاذ ما دام يطرحه في سياق تدبُّره هو للقرآن الكريم (أي لا يجعله هو التفسير الصحيح الوحيد). وحتى لو ثبت أن هذه النظرية باطلة، فالباطل هو تدبُّر الأستاذ لا غير! كما أن التفاسير القديمة لا تخلو من أغلاط تُنسب إلى أصحابها ولا تقدح في القرآن نفسه.

وقد كان القدماء يجدون النيازك على وجه الأرض ويصهرون حديدها، فلم يكن أصل معنى النزول يخفى عليهم.

ثم زعم الأستاذ أن سورة الحديد رقمها 26 وهو نفس الرقم الذري للحديد! فهذا مثال على التفسير العلمي المردود، لأنه لا يتفق مع أصول التفسير الصحيحة.

ـ[عبدالله الشهري]ــــــــ[07 - Feb-2010, صباحاً 10:59]ـ

والجامع بين التفاسير المرفوضة أنها تحمِّل النص ما لا يحتمل!

شكر الله لك غيرتك. صوبت سبق الطباعة.

ـ[أبو الفداء]ــــــــ[07 - Feb-2010, مساء 12:00]ـ

فائدة على هامش النقاش:

قد يقول قائل: هل من الحكمة أن نناقش مثل هذه المسألة على ملإ يدخله العالم والجاهل والبر والفاجر والمسلمون وأعداؤهم من المنصرين ونحوهم، وقد يجدوا فيه زادا للتشغيب علينا عند محاججتهم؟

ونقول لهذا القائل لو طردنا كلامك هذا لأغلقنا سائر المنتديات العلمية! ونحن نتفق على أنه مما ابتلينا به في هذا الزمان أن صارت دقائق العلوم يطلع عليها كل أحد! ودروس العلم التي ينبغي ألا يسمعها إلا طالب متقدم في الطلب، ينزلها العامي من على النت دون أن يجد من ينبهه إلى أن هذا الدرس أو هذا الكتاب قد لا يناسبك - بالنظر إلى منزلتك العلمية - بل وقد يفتنك وأنت لا تضبط النظر ولا تأصيل عندك، بل ولعلك لا تفهم نصف ما تسمع فيه لضعف بضاعتك من اللغة والمصطلح .. وقد كان السلف ينهون عن مخاطبة الناس بما يفوق قدرتهم على الفهم حتى لا يفتنوا في دينهم! وقد كان الصحابة يمنعون أهل الذمة في البلاد التي يفتحونها من تعلم القرءان، بل ومن تعلم اللغة العربية نفسها ما لم يدخلوا في الإسلام، وذلك حتى لا يعبثوا هذا العبث الذي صرنا نراه ماثلا في هذا الزمان من التفنن في اختراع الشبهات على نصوص الكتاب والسنة ..

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015