هذا ما يلجئنا إلى تحرير المراد بالإعجاز في الآية الواحدة من كلام الله، والإعجاز في كتاب الله بعموم .. وحقيقة معنى الإعجاز نفسه في هذا وذاك، ومشروعية دعوى إرادة الإعجاز في آية بعينها لم يقل أحد من السابقين بأن فيها – بعينها – إعجازا (وهذا محل نزاع لا أريد بسط الكلام فيه ههنا حتى لا يتشعب بنا الموضوع، إذ ليس الموضوع في أصل المراد بالإعجاز العلمي بعموم والنزاع عليه) .. فأنت لما قبلتَ اجتهاد من فسروا الآية بهذا التفسير، رحت تعدها من إعجاز الله للناس في زماننا! فهل يلزم – عقلا - أن يكون من يردون مثل هذا التفسير في المقابل = يقولون بحصر القرءان في إعجاز العرب وحدهم؟؟؟ هذا إلزام بما لا يلزم ولا يصح! إلا إن كنت ترى أن الإعجاز بموافقة المكتشفات الحديثة في مختلف العلوم في هذه الآية وتلك هو الوجه الوحيد لتحقق الإعجاز لأهل هذا الزمان في كتاب الله!

بل أقول إن ردنا لدعواهم إرادة الرب الإعجاز في معنى آية بعينها بموافقة ما يتوصل إليه العلم الحديث = لا ينفي كون القرءان معجزا (هكذا) لأصحاب العلوم الحديثة في زماننا، ولا يمنع من أن كثيرا مما توصل إليه علماء الطبيعيات ووافق قولا من أقوال السلف بوجه من الوجوه ودخل فيه قد يصلح تفسيرا أو تدليلا على صدق النبوة (على تفصيل في ذلك)، إذ كان ولا يزال ما قرره القرءان في كتابه سالما من معارضة تلك المكتشفات لشيء منه، ونحن نتحداهم إلى قيام الساعة بالإتيان بمعنً من المعاني في هذا الكتاب – مع كثرة ما فيه من كلام عن الأجرام والنجوم والبحار والمخلوقات في مقام تقرير ربوبية رب العالمين – خالف المتكلم فيه شيئا مما ثبت بالقطع من مكتشفات العلم الحديث، وهذا المعنى بكليته هو وجه الإعجاز الذي أقول به في زماننا هذا لأصحاب تلك العلوم بما في كتاب الله تعالى، إذ ما من كتاب من كتب الأولين إلا وثبت مع المكتشفات الحديثة دخول الخرافة والباطل فيه بسبب القصور البشري لكاتبه في زمانه، أما القرءان فهو الكتاب الوحيد الذي طالت به قرون الزمان وسعى الكفار في كل زمان ومكان إلى إبطاله وإسقاطه كما أسقطوا غيره من الكتب التي كتبها بشر أمثالهم، فلم يفلحوا ولن يمسوا منه كلمة واحدة! هذا من الإعجاز في الإتيان بمثله، ومن الإعجاز بكونه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وبكونه محفوظا لا تتطرق إليه يد التحريف

فهو إعجاز علمي كلي لأصحاب العلوم التجريبية والطبيعية الحديثة ولأصحاب سائر العلوم منصوص عليه صراحة في القرءان .. بخلاف هذا المسلك الذي لا يخلو من لي لأعناق كثير من النصوص وتحميلها ما لا تحتمله، والإتيان بنظريات قد تزول غدا كأنها لم تكن – وإن كانت لدى القوم اليوم لا مخالف لها فهي عندهم بمنزلة قريبة من القطع – يحشرونها في تأويل كتاب الله بل وإقامة الحجة به على أهل هذا الزمان ..

فالذي أقول: إذا أردتم الاستعانة بحقائق العلم في تفسير القرءان وترجيح القول الصواب فيه اجتهادا فلا تجعلوا ذلك من "إعجازه العلمي"! ولهذا كنت وما زلت أشدد على ضرورة تحرير الفرق الاصطلاحي بين الإعجاز العلمي والتفسير العلمي.

= قبلتُ اجتهاد َ السابقين في التفسير، و اجتهاد غيرهم، باعتبار ِ التنوّع، و التنوّع ينطوي تحتَه البلاغي و التشريعي و العلمي.

= نحنُ نختلف حول التعارض بين الإعجاز بإمكانِ عدم إتيانِ مثله، أو ما يخالفهُ، و الإعجاز العلميّ، فما المانع من قبول أقوال أربابِ الإعجاز العلمي مما لا يُخالف أصلاً شرعياً أو فهماً لُغوياً؟

= لما تحدثتَ عن الفرق بينَ الإعجاز العلمي، و التفسير العلمي، كان تفريقياً غير واضح، أتمنى أن تبيّنه؟

فما هذا الكلام يا أخي؟؟؟ اختلفوا في إمكان الفهم؟؟ يعني ذهب بعضهم – على هذا التحرير – إلى أن منها ما لا يمكن فهمه؟ أين وجدتَ هذا الخلاف؟

وبالمناسبة فلا يصح وصف آثار الصور البلاغية في النص القرءاني الكريم بالتصوير الفني والموسيقي، ولنلزم اصطلاح من سبقونا في مثل هذا ..

نعم، و قد قلتُ أنهم اختلفوا في إمكانيّة فهم بعضِ الآيات بدليل اختلافهم في آية آل عمران (و الراسخون في العلم .. ) ..

ستقول: المتشابِه؟

أقولك: يمكننا أن نعتبر هذه الآية من المتشابه، لأن فيها عدم إمكانيّة الصعود على تفسيرِ أغلب العلماء، و الإمكانيّة متحققة الآن.

تقول: هذه ليستْ من المتشابهِ؟

نقول: بغض النظر، اختلافُ العلماء على فهم تفسيرِ هذه الآية، هل يمكن أن نفهم المتشابه أم لا؟ يُثبتُ أن المتشابهَ موجود فعلاً، و القول بعدم إمكانية الفهم موجود، فالمتشابهِ موجود، إذن على رأي بعض العلماء الفهم غير ممكن.

و نقول – أيضاً -:

الأصح – و الله أعلم – أن القُرآن كُلهُ مفهوم، حتى لا نقع في عقدة النصارى بنظرية الثالوث.

= لزوم اصطلاحِ القدماء غير واجب، و الصَور الفنيّة مدروسة في علم البلاغة المعاصرة، و الموسيقى موجودة حتى في اصطلاح القدماء.

فههنا إشكال آخر في تحرير الاصطلاح .. أليست البلاغة علما؟ فهي إذن من حيث المعنى معجزة علمية. فلماذا نقصر الإعجاز العلمي على معنى العلوم الإمبريقية الحديثة؟ لعلك لو قلت بلاغيا وفزيقيا أو فلكيا (مثلا) لكان أحرى. وهذا من مؤاخذات بعض العلماء المعاصرين على مصطلح الإعجاز العلمي نفسه.

يا سيدي، لا إشكال في الاصطلاح، (علميّ) للمعهود الذهني الذي نحنُ فيهِ، و قد قال بهِ صاحبُ الموضوع، و فهمتَ منه ذاك الذي وقع في ذهنك، أي التفسير بالعلوم الحديثة – الثابت قطعاً منها -، ###

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015