ـ[أبو الفداء]ــــــــ[05 - Feb-2010, صباحاً 11:33]ـ

أما قول الأخت جمانة:

حال الا نسان عندما يصعد في السماء لم تكن معلومةتفاصيها قبل التصعد الفعلي الذي وفق الله له الا نسان

فأنا أسألها: وما يدريك أن هذه الحال لم تكن معلومة عندهم؟ وهل يخاطبهم الله بتشبيه لا يعلمون وجه الشبه فيه؟؟ بل كان معلوما من تلك الحال – ولا بد – ما يكفي لتحقق غاية المثال على الوجه الأكمل عند السامع الأول، دون مخاطبته بما لا يعلم.

فلو كان العلم بنقص الأكسوجين في السماء لازما لفهم مراد الله تعالى من هذا التشبيه على الوجه الذي تقوم به الحجة = لم تقم الحجة على السابقين بهذا التشبيه! وإن لم يكن لازما لتحققه بلاغيا في أذهان السامعين الأوائل على الوجه الأكمل - وهو الحال-، فلماذا نحشره في تأويله وبأي حجة ندعي أنه هو – أو حتى أنه يعضد - وجه الشبه المقصود فيه؟ هذا هو بيت القصيد.

ينبغي أن نحرر الاتفاق على أنه لا يمكن أن يأتي التشبيه في القرءان بشيء لا يعرفه المخاطبون، ولا يجتمع لهم في نفوسهم من سماعه ذلك القدر من التصور الذي يتحقق به مراد المتكلم من وجه الشبه في التشنيع أو التقبيح أو التعجيز أو نحو ذلك من الغايات المعنوية في الخطاب القرءاني، وإلا تخلف الخطاب القرءاني عن أداء غايته في هؤلاء السامعين!

فالمعهود الواقعي - على حد اصطلاح أخي ابن الرومية - في زمانهم كان العجز عن الصعود إلى السماء أو امتناع ذلك وثقل ما يعرفونه منه على النفس. فهل رفعت الطائرة ذلك الأمر في زماننا وأزالت تلك الصورة؟ كلا! فلم يزل العلو في السماء مستثقلا، كلما علا الرجل كلما ازداد خوفا وضيقا بتلك الحال، حتى وإن كان يركب مكوكا فضائيا وعلى وجهه جهاز تنفس صناعي! ولم يزل العلو في السماء محدودا كما كان في زمانهم محدودا (وإن تفاوت الحد بمقدار التقدم في الصناعات)، فهم كانوا يعتلون الجبال والمرتفعات الشاهقة ومع هذا لم يقل أحد إن وجه الشبه ضيق تنفسهم بذلك – وتأثير ضغط الجو على من يعلو الجبال محسوس لكل أحد وما كانوا يجهلونه، وليس ما يتكلم عنه الإعجازيون الآن من نقص الأكسجين وتأثير تغير ضغط الجو ونحو ذلك إلا تفسيره بنظريات الطبيعة .. فهذا التأثير كان معلوما لهم (وإن جهلوا سببه الفزيقي)، ومع هذا لم نجدهم يتأولون هذه الآية بهذا التأثير أو بهذا القدر من التصور الحسي المرتبط بضيق التنفس!

لهذا أقول إن التصور الذهني المعلوم عند المخاطبين الأوائل للمعنى المفهوم من التشبيه يجب ويلزم لزوما أن يأتيهم على النحو الذي يتحقق به مراد المتكلم من التشبيه نفسه ولابد، وعلى الوجه الأكمل، وإلا كانت الصورة ناقصة أو فيها ضعف بلاغي (ينقص به ركن من الأركان البلاغية للتشبيه نفسه كما تفضل أخونا الفاضل بكر)، وهذا يتنزه عنه القرءان بلا نزاع.

ولهذا قدمت في التعقيب على ما تفضل به أخي الفاضل ابن الرومية بقولي إنه لو لم يكن عند العرب تصورٌ ذهني معهود بصفة حسية معلومة لرؤوس الشياطين يتحقق بالتشبيه به ذلك المعنى المراد على الوجه الأكمل - حتى وإن كانوا لم يروا جميعهم تلك الرؤوس من قبل، وإنما سمعوا عنها أو وُصفت لهم - لشبَّه الله تعالى في هذا المحل بما هو أقوى وأبلغ في تحقيق المراد التنفيري من هذا المشبه به، لأن التعبير القرءاني يكون ولابد عند الغاية في إيصال المعنى والصورة المرادة، ولا يأتي القرءان في موضع من المواضع إلا بما هو الأبلغ والأحسن في محله في إيصال المعنى المراد عند المخاطبين (بداية بالمخاطبين الأوائل ولابد) = وهذا لا نزاع فيه أيضا!

فعندما يشبه القرءان بصورة التصعُّد في السماء فإنك لا يسعك أن تقول إن العرب قصر فهمهم على المعهود المعنوي دون المعهود الواقعي، تريد بهذا الأخير ما ادعاه الإعجازيون! فهذا بالإضافة إلى كونه يشتمل على رجم بالغيب كما تقدم (في تقرير جهلهم بالمعرفة الحسية لهذه الصورة التي تكلم بها الإعجازيون)، فإنه كذلك هدم أو نقض في جناب الكمال البلاغي لهذا التشبيه نفسه عند المخاطبين الأوائل، والله أعلم.

ـ[ابن الشاطيء الحقيقي]ــــــــ[05 - Feb-2010, مساء 03:52]ـ

اقتباس: من كلامي علق عليه اخي أبو الفداء

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015