وثبت مع المكتشفات الحديثة دخول الخرافة والباطل فيه بسبب القصور البشري لكاتبه في زمانه، أما القرءان فهو الكتاب الوحيد الذي طالت به قرون الزمان وسعى الكفار في كل زمان ومكان إلى إبطاله وإسقاطه كما أسقطوا غيره من الكتب التي كتبها بشر أمثالهم، فلم يفلحوا ولن يمسوا منه كلمة واحدة! هذا من الإعجاز في الإتيان بمثله، ومن الإعجاز بكونه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وبكونه محفوظا لا تتطرق إليه يد التحريف
فهو إعجاز علمي كلي لأصحاب العلوم التجريبية والطبيعية الحديثة ولأصحاب سائر العلوم منصوص عليه صراحة في القرءان .. بخلاف هذا المسلك الذي لا يخلو من لي لأعناق كثير من النصوص وتحميلها ما لا تحتمله، والإتيان بنظريات قد تزول غدا كأنها لم تكن – وإن كانت لدى القوم اليوم لا مخالف لها فهي عندهم بمنزلة قريبة من القطع – يحشرونها في تأويل كتاب الله بل وإقامة الحجة به على أهل هذا الزمان ..
فالذي أقول: إذا أردتم الاستعانة بحقائق العلم في تفسير القرءان وترجيح القول الصواب فيه اجتهادا فلا تجعلوا ذلك من "إعجازه العلمي"! ولهذا كنت وما زلت أشدد على ضرورة تحرير الفرق الاصطلاحي بين الإعجاز العلمي والتفسير العلمي.
أما قوله:
أنَّ الكثيرَ من َ العلماء، اختلفوا في إمكان فهمِ بعضِ آياتِ القُرآن
فما هذا الكلام يا أخي؟؟؟ اختلفوا في إمكان الفهم؟؟ يعني ذهب بعضهم – على هذا التحرير – إلى أن منها ما لا يمكن فهمه؟ أين وجدتَ هذا الخلاف؟
وبالمناسبة فلا يصح وصف آثار الصور البلاغية في النص القرءاني الكريم بالتصوير الفني والموسيقي، ولنلزم اصطلاح من سبقونا في مثل هذا ..
وقوله:
بإمكانِنا أنّ نُفسرَ كلام الله، بلاغيّاً و علميّا
فههنا إشكال آخر في تحرير الاصطلاح .. أليست البلاغة علما؟ فهي إذن من حيث المعنى معجزة علمية. فلماذا نقصر الإعجاز العلمي على معنى العلوم الإمبريقية الحديثة؟ لعلك لو قلت بلاغيا وفزيقيا أو فلكيا (مثلا) لكان أحرى. وهذا من مؤاخذات بعض العلماء المعاصرين على مصطلح الإعجاز العلمي نفسه.
ـ[أبو الفداء]ــــــــ[05 - Feb-2010, صباحاً 11:24]ـ
أما أخي الحبيب ابن الرومية
فيقول:
أما من يستغل هذا الغلو لابطال الاعجاز العلمي باطلاق ... فهذا فعلا قد لا تجد له مبررا لما يسعى اليه جعل القرآن كما لو كان صادرا ممن علمه منحصر فقط في عصر نزوله
قلت لو حررتَ مرادك بالإعجاز العلمي تحريرا واضحا لوجدت أنه ليس في المسلمين من ينفي "الإعجاز العلمي" هكذا بإطلاق! ولم يقل أحد أن نفيه لما ينفي من صنيع أصحاب الإعجاز (ككليات أو كفرعيات) يؤدي ولابد إلى جعل القرءان كأنه صادر ممن علمه منحصر في عصر نزوله! حرروا يا إخوان حقيقة ما ينفيه أولئك العلماء الذين يوصفون الآن بأنهم "نفاة الإعجاز العلمي"، حتى لا تلزموهم بما لا يلزمهم، بارك الله فيكم.
فقولك هذا:
و الأغرب توافق حججهم مع حجج النصارى و الملحدين كأنها قص و لصق
لا يرتضيه منك أهل الإنصاف! والحق نقبله من كل أحد على أي حال ولو جاءنا به أكفر أهل الأرض.
من زعمهم بانه ليس في القرآن اخبار بالمغيبات ... و انه ما انزل الا ليخاطب الناس بما عهدوه و يفسرون المعهود سفسطة بالمعهود الواقعي لا المعهود اللغوي
ليس يلزم من القول بأن القرءان يخاطب الناس بما عهدوه في زمانهم – ولابد - أن هذا القائل ينفي أن يكون في القرءان خبر بالمغيبات! أما كلامك في التفريق بين المعهود الواقعي والمعهود اللغوي فلي عليه تعقيب فيما سيأتي إن شاء الله.
و أبرز مثال هنا هو عنوان القصيدة ... ان كان المعهود الذي خاطب به القرآن الناس هو فقط المعهود الواقعي المنحصر فقط في زمنهم لا المعهود اللغوي الشامل للأزمان و الأماكن .... ان كان حقا ما تقول عن الصعود في السماء و انه مانع من ان يكون مقصودا لأنه ليس مما عهده الناس ...
فقل لنا علمنا الله و اياك اذن ما وجه التشبيه هنا إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (64) طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ الى الآن لم يشاهد احد رأس شيطان و ليس من معهودنا الواقعي لحد الآن .... فكيف يخاطب القرآن للناس ب"تشبيهٍ لا عهدَ لهم به؟؟!!!
من الذي قال إنهم لا عهد لهم به؟ لو خلا تصور المخاطبين من صورة حسية مستبشعة مستقبحة لرؤوس الشياطين يا أخي الحبيب (ولو تخيلا في أوهامهم لصورة حسية تقوم على وصف لها قد سمعوه من قبل) = لم يكن للتمثيل بها في هذا المقام ومخاطبتهم بذلك من فائدة! فمن شروط قيام هذا التصور في نفس السامع: تحقق صورة ذهنية مسبقة للمعنى الممثل به – سواء من مشاهدة مباشرة أو من وصف كاف - تكون قوية في وجه الشبه بما فيه الكفاية عند السامع لتحقق الغاية المرادة بلاغيا من التشبيه .. وهذا ما يفهم مما تفضلت بنقله عن الإمام الطبري رحمه الله لو تأملته، فهو حجة لمخالفك لا لك.
وتقول:
ثم من شاهد الشياطين واقعا و تحقق لديه المعهود الواقعي .. علم التأويل الذي يعود اليه المعنى و انه معتى لا يناقض المعنى اللغوي .. و ان كان غير معروفا عند من لم يشاهد الشياطين
وأقول أحسنت بهذا الاستدراك، إذ لا يزال من الناس من يشاهد الشياطين على صورتها الحقيقية عندما تتمثل له .. وليس بلازم لتحقق الغاية من المثال أن يكون كل الناس قد رأوا رؤوس الشياطين على الحقيقة، ولكن يكفي أن يكون قد رآها بعضهم فحكى ذلك لغيره وتناقل الناس الخبر ببشاعتها وقبحها.
¥