ـ[أبو الفداء]ــــــــ[05 - Feb-2010, صباحاً 11:03]ـ

الإخوة الكرام، الآن وقد فرغ أخونا الفاضل من سرد مقاله، فاسمحوا لي بتعقب ما تفضلتم به خلاله من تعقيبات، وسأعمل ما وسعني على ألا أخرج إلى الكليات إلا في إطار مادة هذا البحث = ضرب الأمثال في القرءان وتحقق غايتها عند المخاطبين الأوائل (إلا عندما تدعو الحاجة إلى تحرير اصطلاح ما ردا على ما تفضل به بعضكم).

/// الأخ الفاضل شتا العربي

قولك وفقك الله:

ثانيا: الآية الكريمة حتى لو قصدت التشبيه وحتى لو لم يرد في تفسير أهل العلم في الكتب لا يمكن أن يقال

إنها لا تدل على الإعجاز العلمي.

لأن المفسرين لم يذكروا في كتبهم كل ما في الآيات.

فكل مفسر أخذ من الآيات ما فتح الله عليه به

وسيظل القرآن الكريم غضا طريا يستنبط منه أهل العلم كل يوم ما يفتح الله به.

فلا حجر على رحمة الله

قلت: هناك فرق ينبغي أن يفطن إليه الباحث في علوم التفسير بين زيادة معنى تحتمله اللغة وبنائه على فهم لنا فيه سلف، وذلك بطريق المطابقة أو الالتزام أو التضمن، وبين دعوى أن كل ما اجتهده السابقون من فهم للآية لم يصح ولم يصل إلى الحق فيها أحد من الخلق إلا بعد اكتشاف كذا وكذا في زماننا!! فهذا المسلك الأخير تجهيل لقرون الأمة بمراد ربهم من كلامه! ولست أقول بأن هذا الأخير هو عين ما فعله من فسروا التشبيه في هذه الآية بهذا، ولكن ينبغي أن ينتبه الباحثون في الإعجاز إلى ما ينبني على كلامهم من الغض من مقدار تحقق ثمرة مثل هذا التشبيه عند السلف! فلو أنهم لم يعلموا من قبل بأي صورة محققة عندهم لتحرج الصدر من الرقي والصعود = كان القرءان يحدثهم بمثال لا ثمرة له فيهم، وهذا عبث ممتنع على كتاب الله ..

فيجب أن نتفق ابتداءا على أن الله تعالى لم يخاطبهم إلا بخير مثال يوصل إليهم مراده سبحانه وتعالى ويقيم عليهم حجته، مصداقا لقوله جل وعلا:

((وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ)) [العنكبوت: 43]

((وَكُلّاً ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وَكُلّاً تَبَّرْنَا تَتْبِيراً)) [الفرقان: 39]

((وَيَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ)) [إبراهيم: 25]

وقوله: ((لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)) [الحشر: 21]

فلو أن قوما لم يعقلوا المثال أو جاء من بعدهم فعقلوه أفضل مما عقله الأولون جميعا، لكان هذا نقصا في قيام الحجة على الأولين بسبب تخلفٍ في قدرتهم لا يد لهم فيه، ولقدموا على ربهم يوم القيامة يقولون "يا رب لقد حرمتنا مما به يتحقق لنا أحسن الفهم لمرادك من هذه الآية ولم نكن نعرف من تلك الصورة التي مثلت لنا بها فيها ما يحقق منه تلك الثمرة التي تحققت في قلوب من جاءوا بعدنا، فلا تحاسبنا بحسابهم"!! فهل يترك رب العالمين مثل هذه الثغرة لتكون حجة لأحد من الخلق بين يديه يوم القيامة؟ كلا وحاشاه.

فإن قلتم ولكننا لا ندعي تخلف الحجة عن القيام على المخاطبين الأوائل بهذا المثال لأنهم فهموا مراد الله منها، قلنا إذن فقد قطعتم لينة النزاع بأيديكم، وشهدتم على أنفسكم بما نطالبكم به، وهو أن هذا المثال تحقق أثره بالفعل في السامعين على الوجه الأكمل على نحو ما فهمه أول المخاطبين ولابد!

إلا إن ادعيتم أن مراد الله من كلامه يتغير بتغير الأزمان، وهذا لا يقول به عاقل، ونسبته إلى الله تعالى = طعن في صدق التنزيل! وهو شبيه بدعوى جواز وقوع النسخ بعد زمان الوحي .. وهي دعوى النصارى وأهل الكتاب في التعامل مع كتبهم، إذ يزعمون أن روح القدس تحرك علماءهم وأحبارهم في كل عصر صوب اكتساب فهم جديد لمراد الرب – بخلاف الفهم الذي استقر سابقا - مما يزعمون أنه مجموع كلامه في كتبهم. فبالأمس كانت بعض النصوص فيه تشريعا، واليوم لم يعد في الكتاب تشريع، وبالأمس كانت بعض النصوص تسرد أحداثا مفصلة لقصص وقعت حقيقة في زمان من الأزمنة الغابرة (وهكذا أجمع السابقون منهم على فهمها)، واليوم لم يعد يحمل معناها على "حرفيته" تلك ولا تدل على وقوع تلك الأحداث المروية حقيقة، وإنما تُفلسف جميعها إلى معانٍ باطنية تناسب ثقافة القوم في هذا الزمان، ويجعل هذا مراد الرب منها، وهكذا!

فالحق أن مراد الله بكلامه واحد لا يتغير، خوطب به الأولون فآتى فيهم أكله (من هداية البعض وإقامة الحجة على البعض الآخر)، وبه يخاطب سائر الخلق إلى يوم الدين.

ولا دخل لهذا باستنباط الأحكام للمستجدات ونوازل الزمان بالقياس أو بالقواعد الكلية، إذ الاستبناط إعمالٌ للفهم المأخوذ من مراد الله بكلامه وتطبيقه على تلك الأحوال الحادثة في زماننا، وليس تغييرا لمراد الله من بعض النصوص على وفق أحوال أهل الزمان! ومثاله أن يقول حاكم في رعيته: "كل فعل لكذا وكذا فهو ممنوع"، فيجتهدون في استنباط علة المنع وفي القياس على تلك الأفعال المذكورة تحريا لحسن تطبيق الأمر، ويشهد لهم ذلك الحاكم بأنهم قد أدوا ما أمرهم على أكمل وجه .. فهل يسوغ لمن يأتي بعدهم الإتيان بفهم جديد لمراد هذا المتكلم يكون مؤداه بطلان ما فهمه جميع هؤلاء السابقين من مراده، ثم ينسبون هذا الفهم إليه ويزعمون أنهم بهذا يعملون بكلامه؟ فلله المثل الأعلى.

فقول القائل: إن المفسرين لم يذكروا في كتبهم كل ما في الآيات = ينبغي أن ينضبط ببيان أبعاد وطبيعة هذا الذي لم يذكروه – في تصور القائل - وعلاقته بفهم المتقدمين لكلام ربهم وتحقق مراده منه فيهم، وإلا انفتح بهذا الكلام باب للباطنية والكذب على رب العالمين.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015