اعماق العروق والاعضاء وجمعهما في موضع واحد جعل لهما قرارا مكينا لا يناله هواء يفسده ولا برد بحمده ولا عارض يصل اليه ولا آفة تتسلط عليه ثم قلب تلك ا لنطفة البيضاء المشربة علقة حمراء تضرب الى سواد ثم جعلها مضغة لحم مخالفة للعلقة في لونها وحقيقتها وشكلها ثم جعله عظاما مجردة لا كسوة عليها مباينة للمضغة في شكلها وهيأتها وقدرها وملمسها ولونها وانظر كيف قسم تلك الاجزاء المتشابهة المتساوية الى الاعصاب والعظام والعروق والاوتار واليابس واللين وبين ذلك ثم كيف ربط بعضها ببعض اقوى رباط وأشده وابعده عن الانحلال وكيف كساها لحما ركبه عليها وجعله وعاء لها وغشاء وحافظا وجعلها حاملة له مقيمة له فاللحم قائم بها وهي محفوظة به وكيف صورها فاحسن صورها ... "

لقد ادهشني هذا التفصيل الدقيق للامام ابن القيم ومعلوماته عن خلق الانسان والحكمة من خلق كل عضو فيه وكذلك خلق اصناف الفواكه والثمار وخلق آلات البطش في الحيوان مثلا وغيرذلك مما ذكره في كتابه مفتاح دار السعادة ماجعلني ارجع اليه كل مرة للتمتع الذهني والقلبي والعقلي والروحي بعلم علماء الاسلام ولطافة لغتهم وتصويرهم ومشاهداتهم ومعارفهم خصوصا كلام ابن القيم في كتابه هذا وكتاب شفاء العليل

انظر اليه مثلا يتكلم عن التسوية المذكورة في القرآن (فخلق فسوى) وعن النطفة والمضغة والعلقة (مع ملاحظة أن العلم الحديث أثبت دقة أكثر مما عرضها ابن القيم ولاتنافيها وقد وضعت مجاهرها ودقة تصوير اجهزتها على مالم تصل اليه عين الانسان قديما وإن كان القرآن قد عرضه معلوما ومفهوما بألفاظ كشف العلم عن إعجازها) قال ابن القيم

"وقال تعالى ايحسب الانسان ان يترك سدى الم يك نطفة من مني يمنى ثم كان علقة فخلق فسوى فجعل منه الزوجين الذكر والانثى اليس ذلك بقادر على ان يحيى الموتى وقال تعالى الم نخلقكم من ماء مهين فجعلناه في قرار مكين الى قدر معلوم فقدرنا فنعم القادرون وقال او لم ير الانسان انا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين وقال ولقد خلقنا الانسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم انشأناه خلقا آخر فتبارك الله احسن الخالقين وهذا كثير في القرآن يدعو العبد الى النظر والفكر في مبدأ خلقه ووسطه وآخره إذ نفسه وخلقه من اعظم الدلائل على خالقه وفاطره واقرب شيء الى الانسان نفسه وفيه من العجائب الدالة على عظمة الله ما تنقضي الاعمار في الوقوف على بعضه ... فلم يكرر سبحانه على اسماعنا وعقولنا ذكر هذا لنسمع لفظ النطفة والعلقة والمضغة والتراب ولا لنتكلم بها فقط ولا لمجرد تعريفنا بذلك بل لامر وراء ذلك كله هو المقصود بالخطاب واليه جرى ذلك الحديث فانظر الان الى النطفة بعين البصيرة وهي قطرة من ماء مهين ضعيف مستقذر لو مرت بها ساعة من الزمان فسدت وانتنت كيف استخرجها رب الارباب العليم القدير من بين الصلب والترائب منقادة لقدرته مطيعة لمشيئته مذللة الانقياد على ضيق طرقها واختلاف مجاريها الى ان ساقها الى مستقرها ومجمعها ... "

كذلك بعد ان ذكر ابن القيم ان التسوية كما الخلق تعم المخلوقات وليس الانسان فقط (انظر شفاء العليل، المكتبة التوفيقية ص 146 ومابعدها) تعليقا علي قوله تعالي (خلق فسوى) وان التسوية تتعلق بالإبداع -ومعلوم ان ماعلمه أهل الاسلام من امر الابداع في التسوية وتقدير الهداية (ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى) (طه:50) اوماكان يعلمه الانسان في زمن بعثة الرسول -وقبلها_ من نفسه مما لم تغيره الافكار الوثنية او العلمية الخاطئة لم يكن خيالا اسطوريا او فكرا خرافيا عن التسوية وانما كانوا يعلمون ويشاهدون حسيا مايعلمه ويشاهده الانسان من امر التسوية كما يلاحظها الانسان من نفسه في كل زمان ومكان الا ان زيادة المعرفة ودقة المشاهدة-وهي الآن مجهرية ايضا-تضيف-للخبرة الانسانية والمشاهدى المتجددة- لاشك-لمن لم يطبع الله علي قلبه- ايمانا وعلما وتفاصيل اكثر دقة وابهارا-ومنها اشياء لم يطلع عليها الانسان في تاريحه كله لامشاهدة علي وجه الدقة المحهرية التي نراها اليوم ولاتحت اجهزة كالتي نراها اليوم ايضا- وتفتح مجال الايات على دلالات لاتخالف الحقائق الايمانية بل تجليها وتظهر اعجاز التعبير القرآني والكلام

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015