مما سبق نلاحظ أن جل أولئك الفقهاء الذين تصدروا للإفتاء والمشاورة كانوا من المستورين إن لم يكونوا من المياسير. لكن هذه الصورة لا يمكن أن تشمل الكل فقد وجد بين أهل الإفتاء من كان أقرب إلى الفقر منه إلى الغنى، فالفقيه أصبغ بن خليل، المتوفى سنة 273هـ (886م) كان يلي رئاسة الإفتاء بالأندلس مدة خمسين عاماً1. ومع ذلك فقد كان فقيراً لم يكتسب شيئاً، حتى أن أبا عمر ابن عبد البر يذكر أن تركة أصبغ عند وفاته بلغت مائة دينار فقط2.
ونظراً لأهمية منصب المفتي في الأندلس، فلنا أن نتوقع أن لا يتصدر أحد للإفتاء إلا من بعد صدور ظهير رسمي من قبل الأمير أو الخليفة، ولعل من الأدلة المؤيدة لهذا ما جرى في عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط عندما قام قاضي الجماعة آنذاك بمشاورة الفقيه عبد الأعلى بن وهب دون إذن مسبق من الأمير الذي ما إن علم بالأمر حتى عنَّف قاضي الجماعة وأغلظ له، كما لحقت الفقيه ابن وهب غضاضة3.