داراً، كان يشتغل فيها بتعليم القرآن لزملائه المعتقلين الذين كان أكثرهم من تلاميذ الكليات والجامعات
الذين هاجروا من الهند، وفي سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة وألف اغتيل الأمير حبيب الله خان وخلفه
في الملك ابنه الأمير أمان الله خان، ونشط الشيخ عبيد الله واستطاع أن يسرب إلى الهند إعلانات
سرية فيها تحريض للجهاد وقتل الإنجليز ونشبت الحرب بين أفغانستان والإنجليز، كانت فيها الشيخ
ورفقته جولة وصولة، وتوجيه وإشراف، وحصلت الهدنة في الخامس والعشرين من شعبان سنة سبع
وثلاثين وثلاثمائة وألف، واستفادت أفغانستان من هذه الحرب ونالت الاستقلال، وبقي عبيد الله ينتهز
الفرصة لتحقيق غايته وإثارة الحكومة الأفغانية على تأييد القضية الهندية، قابل لهذا الغرض القائد
التركي المعروف بجمال باشا، الذي زار كابل في أوائل سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة وألف، وبدأ نفوذ
الإنجليز يقوي في بلاط الأمير أمان الله خان، وبدأ مجال العمل يضيق ويقصر للشيخ عبيد الله
وزملائه وتلاميذه، فغادر كابل لثمان بقين من صفر سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة وألف مع زملائه
الشباب وتجشم المشاق في هذه الرحلة ومر ببخارا وتاشقند حتى وصل في التاسع عشر من ربيع
الأول من هذه السنة في ماسكو عاصمة البلاد السوفيتية ومكث هناك نحو تسعة أشهر، درس في
خلالها فلسفة الشيوعية ونظامها بمساعدة تلميذه وزميله ظفر حسن أيبك، وقابل بعض زعماء الحركة،
من بينهم وزير الخارجية في المملكة ووافق على مساعدة أهل الهند في إجلاء الإنجليز، وشاهد
الضغط الموجود على الديانات، وإرهاق الأقليات، ووضع خطة للحكومة الحرة الهندية تقوم على
الوفاق، وطبعها وأرسلها تهريباً إلى الهند، وصودرت هناك.
فلما يئس من الروس توجه في شهر ذي الحجة سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة وألف إلى تركيا
لإكمال خطته التحريرية الجهادية، وقضى نحو خمسة أشهر في أنقره، ثم دخل استنبول في ربيع
الأول سنة اثنتين وأربعين وثلاثمائة وألف، وقابل عصمت باشا رئيس وزراء تركيا، ولم يزل في
حل وعقد، ومداولات ومخابرات، حتى يئس من الوصول إلى نتيجة، فعزم على التوجه إلى مكة ملجأ
العاملين ومثابة المسلمين، وقد أعيت به الحيل، وضاقت عليه السبل، فسافر من أستنبول في الثالث
والعشرين من ذي القعدة سنة أربع وأربعين وثلاثمائة وألف بالباخرة عن طريق إيطاليا، وكان العام
الذي انعقد فيه المؤتمر الإسلامي بدعوة الملك عبد العزيز ابن سعود، ولم يدرك الحج والمؤتمر بتأخر
الباخرة، وألقى رحله في جوار البيت، ومكث نحو خمس عشرة سنة يدرس التفسير للراغبين فيه من
العلماء والقاصدين لبيت الله الحرام، ويقضي أوقاته في الدرس والمطالعة، والعبادة والإفادة، معتزلاً
في بيته، زاهداً متوكلاً، متقشفاً في الحياة يتبلغ بلقمة من العيش وبما يقيم صلبه، لا يطمع في الدخول
في الهند والاجتماع بالأحبة والتلاميذ، حتى جاء الله بالفرج، وسعى بعض أصدقائه من أصحاب
النفود في منحه السماح للعودة إلى الهند، فسمح له بذلك، فعاد إلى وطنه ووصل إلى كراتشي في
منتصف محرم سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة وألف بعد أربع وعشرين سنة، واستقبله تلاميذه وزملاؤه
والمقدرون لفضله وجهاده باخلاص وحماس، وقد مات أكثر شيوخه، وانقرض جيل وجاء جيل جديد،
وتطورت البلاد، وتغيرت الأحوال، فلقي جواً جديداً، وشعر بشيء من الغربة، وأبدى من الآراء
الغريبة، والأفكار الشاذة في السياسة والاجتماع، والثقافة والإصلاح ما لم توافق أكثر أصدقائه، وقادة
المسلمين وزعمائهم، واتسعت الفجوة بينه وبين العلماء والزعماء، وكان يرى اقتباس الخط اللاطيني،
واتخاذ اللباس الإفرنجي تفادياً من فرض لباس وطني، يغلب فيه تابع اللباس البرهمي، والحروف
السنسكيريتيا، وكان يرى أنه الحل الوحيد لوقاية المسلمين من الوقوع تحت عبودية الأكثرية الفكرية
والثقافية، وانزعجت من ذلك الطبقات الدينية، وقضى أيامه الأخيرة في الهند في تناس وقلة إقبال
يقضي مدة في دهلي ومدة في السند يدرس فيها حجة الله البالغة على طريقته الخاصة، ويشكل بعض
اللجان السياسية، حتى وافاه الأجل في الثالث من رمضان سنة ثلاث وستين وثلاثمائة وألف، ودفن
بجوار شيخه العارف الكبير الشيخ غلام محمد في قرية دين بور من توابع بهاولبور.