وهدى بهم خلقاً كثيراً من عباده، وكان راسخاً في الاسلام وعقيدة التوحيد، حريصاً على اتباع الكتاب

والسنة، واقتفاء الآثار النبوية والطريقة المرضية، شديد الكراهة للكفر والشرك والبدعة، ولما

حضرته الوفاة أوصى أصحابه بأن يجعلوه في الحجر حتى يفارق الدنيا، كما لحق النبي صلى الله

عليه وآله وسلم بالرفيق الأعلى وهو في حجر عائشة بين سحرها ونحرها، ودعا بنته وضمها إلى

صدره، كما فعل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ مع فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وآله

وسلم، ولم يزل لاهجاً بذكر الله إلى آخر عهده بالدنيا، وقال بعض أصحابه وهو يجود بنفسه: لا إله

إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فقال: لم يرد هذا في الحديث عند الموت، وإنما ورد: لا إله

إلا الله، وكان متعلق القلب برمضان كثير السؤال عنه، يتمنى أن يموت فيه، ومات في سلخ شعبان

سنة عشر وثلاثمائة وألف، ودفن بعد ما أهل رمضان، كما جاء في كتاب للشيخ عبد الحق إلى الشيخ

أحمد حسن منشىء صحيفة شحنة هند.

مولانا عبيد الله السندي

الشيخ العالم الصالح عبيد الله الحنفي السندي أحد العلماء المشهورين، ولد في بيت من بيوت

الوثنيين في تاسع محرم سنة تسع وثمانين ومائتين وألف في بلدة سيالكوث وتوفي والده قبل ولادته

فتربى في حجر خاله الوثني، وتعلم الخط والحساب والتاريخ وغيرها في المدرسة إنكليزية، ورأى

ذات يوم في اليقظة أن نقطة من النور حاذت بين عينيه ثم دخلت في قلبه، فوجد برداً وسكينة في

قلبه، وألقى في روعه أنه سيدخل في دين الإسلام، فرغب إليه وحصل بعض الكتب الاسلامية كتحفة

الهند للشيخ عبيد الله البائلي وتقوية الايمان للشيخ الشهيد إسماعيل بن عبد الغني الدهلوي، واشتغل

بها مدة حتى رسخ في قلبه الايمان، فهاجر من بلدته إلى أرض السند سنة أربع وثلاثمائة وألف وأسلم

على يد الشيخ الحاج محمد صديق السندي وبايعه في الطريقة القادرية، واشتغل بالعلم فقرأ رسائل

النحو والصرف إلى كافية ابن الحاجب، ثم سافر إلى الملتان ومنها إلى ديوبند وقرأ على أساتذة

المدرسة بعض رسائل المنطق، ثم سافر إلى كانبور وقرأ أكثر اكبت الدرسية لعله على مولانا أحمد

حسن الكانبوري، ثم رجع إلى ديوبند وأخذ الحديث عن العلامة محمود حسن الديوبندي وتفقه عليه،

ثم ولي التدريس بمدرسة دار الرشاد في أرض سند فدرس بها زماناً، ثم رجع إلى ديوبند وأقام بها

مدة من الزمان وأسس جمعية مؤتمر الأنصار، وخالفه أعضاء المدرسة العربية في بعض الأمور

واتهموه بسوء الاعتقاد، فسار إلى دهلي وأسس نظارة المعارف بفناء المسجد الفتحبوري، وأعلن أنه

يدرس القرآن الكريم وحجة الله البالغة وبعض كتب الحديث في سنتين لمن يريد الأخذ ممن نالوا

درجة الفاضلية في الإنكليزية فدرس بها أعواماً.

ثم لما نشبت الحرب الكبرى سافر إلى حدود أفغانستان مختفياً متستراً بايعاز من شيخه العلامة

محمود حسن الديوبندي، يحمل رسالة الجهاد والثورة على الإنجليز إلى خاصة تلاميذه، وليحمل أمير

أفغانستان على محاربة الإنجليز والهجوم على الحكومة الإنجليزية في الهند، فورد في كابل في

خامس ذي الحجة سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة وألف، وقابل الأمير حبيب الله خان والي أفغانستان

ونائبه، واقترح عليهما زحف الجنود الأفغانية إلى الهند، ووعد الأمير، واتفقوا على أنه إذا نجحت

هذه المهمة وتحقق الجلاء فإنه سيجلس على عرش دهلي ابن من أبناء الأمير كملك دستوري للبلاد،

وقامت في كابل حكومة هندية موقتة كان رئيسها راجه مهندر برتاب أحد الثوار من الولاية الشمالية

الهندية، وكان الشيخ عبيد الله وزير الداخلية في هذه الحكومة، وبدأ عبيد الله يشكل فرقة من

المتطوعة لهذا الغرض سماها جنود الله، وأرسل في هذه المدة رسائل سرية إلى شيخه، اشتهرت فيما

بعد بالرسائل الحريرية، لأنها كانت كتبت على منادل من الحرير، وأصبحت الشغل الشاغل

للإنجليز، وجرت حولها مباحثات وتحقيقات.

وتنكرت الحكومة الأفغانية للشيخ عبيد الله لعل ذلك بايعاز من الإنجليز وفرضت عليه رقابة وألزمته

طور بواسطة نورين ميديا © 2015