الكتب الدرسية على مولانا حبيب الله في سنتين، ثم استقدمه والده
إلى بلدته فأجابه ورجع ولبث عنده زماناً، ثم سافر إلى لكهنؤ وأقام في مسجد دبير الدولة عند المفتي
سعد الله المرادآبادي، وقرأ بعض الكتب الدرسية عليه وعلى غيره من العلماء، ثم رجع إلى الوطن
وأخذ الطريقة عن السيد الشريف خواجه أحمد بن محمد ياسين النصيرآبادي، وصحبه مدة من الزمان
بنصيرآباد، ثم رجع إلى بلدته وأقام بها مدة، ولما توفي السيد خواجه أحمد المذكور وشعر بحاجة إلى
زيادة وتكميل لازم صاحبه الخواجه فيض الله الأورنك آبادي اللكهنوي، وأخذ عنه وصار مجازاً في
الطريقة عنه، وسافر إلى الحجاز فحج وزار ورجع إلى الهند سنة ثلاث وتسعين ومائتين وألف،
وكانت جدتي فاطمة بنت عمه السيد محمد ظاهر بن غلام جيلاني البريلوي أيضاً في ذلك الركب.
فلما رجع إلى بلدته كثرت الوفود عليه من العلماء والمشايخ فانتفعوا به وأخذوا عنه الطريقة، منهم
الشيخ أبو الخير بن سخاوة علي العمري الجونبوري، والسيد محمد أمين بن محمد طه النصيرآبادي،
والشيخ الفاضل محمد البردواني، والشيخ إبراهيم بن عبد العلي الآروي، والمولوي عبد القادر بن
عبد الله الموي، وإني أيضاً صحبته برهة من الدهر وأخذت عنه الطريقة الأحسنية، وقرأت عليه في
صباي بعض الرسائل، ولما من الله علي بالمثول بين أيدي أئمة الحديث وأخذت عنهم ورجعت إلى
الوطن قرأ علي الحصن الحصين واستجازني، وتلك مفخرة عظيمة، لعل الله سبحانه يتجاوز عن
خطيئاتي ويعفو ويسامحني بذلك السبب ولله الحمد، وكان يحبني حباً مفرطاً، وزوجني بابنته خير
النساء سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة وألف بعد ما توفيت زوجتي زينب بنت خالي السيد عبد العزيز
بن سراج الدين الحسيني الواسطي سنة تسع عشرة وثلاثمائة وألف.
كان عاكفاً على الذكر والعبادة وأداء الفرائض ونوافل الطاعات، منقطعاً إلى الله بقلبه وقالبه،
منصرفاً عما سواه، لا يجد الراحة إلا في الصلاة، فإذا صلى الصبح انتظر الظهر وقس على ذلك،
معلق القلب بالمسجد عظيم الخشوع في الصلاة، طويل القنوت فيها، قلما رأى الناس مثل صلاته
خشوعاً وقنوتاً وسكينة وابتهالاً، وكانت في بدنه وقدمه رعشة شديدة، وكان قد علا سنه، فإذا مشى
خيف عليه من السقوط، ولكنه إذا قام في الصلاة فكأنه سارية نصبت، لا يميل ولا يتحرك ولا يمل
ولا يتعب، ربما سمع القرآن في ليلة واحدة وهو قائم لا تضطرب قدمه، لا هم له إلا الدين والاستعداد
للآخرة، وقد بسط الله له في الرزق وورث عن أبيه قرى وأملاكاً، ولكن اكتفى من الدنيا ببلغة عيش
يتبلغ بها، ومال يسير يقتني به كتاباً جديداً من كتب الدين، أو يؤاسي به ذا حق أو صاحب حاجة،
وكانت له اليد العليا دائماً، يضيف أصحابه الذين بايعوه ويكرمهم، ولا يطوف على أصحابه ومبايعيه
مثل كثير من الشيوخ بل يأتونه ويقيمون عنده في غالب الأحوال، وكان شديد الاتباع للسنة، شديد
الكراهة للبدع ومحدثات الأمور، قوي الإفاضة على المستفيدين والمسترشدين، قوي النسبة، يشعر
الذين يجالسونه ويستفيدون منه بحلاوة في الصلاة والدعاء وحب لله ورسوله، وتتغير أحوالهم، يوالي
من والى الله، ويهجر من هجر الله ورسوله، ولا يداهن في دين الله أحداً، ولا يرعى في ذلك حقاً
وحرمة، من رآه أو عاشره عرف أن لله خلقاً خلقهم للآخرة وصدق قوله تعالى:
"إنا أخلصنهم بخالصة ذكرى الدار".
توفي لخمس عشرة خلون من ذي القعدة سنة ست وعشرين وثلاثمائة وألف، ودفن في مقبرة آبائه
في الجهة الشمالية الغربية من المسجد.
حرف الطاء
القاضي طلا محمد البيشاوري
الشيخ العالم الكبير القاضي طلا محمد بن القاضي محمد حسن بن محمد أكبر ابن خان العلوم
الأفغاني البيشاوري أحد العلماء المشهورين في بلاد الهند، لم يكن مثله في زمانه في معرفة الفنون
الأدبية، وكان جده قاضي القضاة بأفغانستان، وكذلك صنوه عبد الكريم وابن أخيه عبد القادر، وكان
طلا محمد متولياً بديوان الإنشاء في كلكته، وولده محمد أسلم كان والياً من